كثيرة هي الأمور التي لم يكن أحد يتوقع الحديث عنها فضلاً عن تنفيذها، إذ تم منذ بداية عهد الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان منذ كان ولي ولي العهد، فتح ملفات لم يسبق فتحها، ظن الكثير أنها ستستمر كما هي ولا يمكن لأحد المطالبة أو حتى الإشارة إلى مراجعتها. في مقابلة مع الأمير محمد عام 2016 قال إن الإجراءات التي ستتخذها الدولة ستطبق على الجميع دون استثناء، وأراد محاوره الأستاذ تركي الدخيل توضيح الأمور أكثر والتأكد مما يعنيه الأمير، فسأله هل ستطبق على الأمراء والوزراء، وألا سيغضبهم ذلك، فكان جوابه نعم ستطبق على الكل، ومن يغضب سوف يصطدم مع الشارع، وكانت هذه العبارة الأخيرة من أهم العبارات التي قيلت في تأريخنا السياسي الحديث.

نعم أصبح للشارع صوت مهم، ونعني به الصوت العاقل المتزن الحريص على وطن يستظل بالعدل والمساواة بين الجميع، فلا يعيش أحد في برج عاجي دون مجهود بذله سوى أنه ينتمي إلى فئة معينة، ولا يتمتع أحد بمزايا كبيرة ومجانية بسبب ذلك بينما الآخرون يتعبون ويعانون في تحقيق أبسط الضرورات الحياتية. وعندما تم رفع سعر الوقود والكهرباء والماء كان المواطن يعرف أن الكثير لا يدفعون فواتيرها، وكذلك المحسوبون عليهم، وغيرهم من المسؤولين الكبار. هنا كان الاختبار الحقيقي لصدق وعد الأمير محمد بأن القرارات ستطبق على الجميع.

يوم السبت قرأنا خبر اعتقال 11 أميرا تجمهروا في قصر الحكم بالرياض احتجاجا على إيقاف مجانية الكهرباء والماء لمنازلهم الكبيرة، أو توقف الدولة عن دفع فواتيرها، وقد تم تحذيرهم بأنهم خالفوا النظام وتعدوا عليه، وعندما لم يتراجعوا تم اعتقالهم وإيداعهم السجن. هنا نكون بالفعل قد بدأنا مرحلة جديدة تتحقق فيها المساواة الفعلية أمام أنظمة الدولة والعدالة بين الجميع وتوزيع الحقوق والواجبات بين المواطنين دون تمايزات، وهذا ما يؤكد أن ما قاله الأمير محمد بن سلمان في مقابلته هو سياسة دولة وليس أمنيات مسؤول فحسب.

وإذا كان للأمراء في مواقع المسؤولية الرسمية أو غيرها تقديرهم الخاص من المجتمع فإنهم يظلون مواطنين كغيرهم، يتحملون مثلهم أعباء الحياة وفواتيرها، وغير مقبول منهم لدى الدولة الشعور بأنهم قادرون على مخالفة النظام العام أو كسر القوانين أو إجبارها على استثناء أحد. وإذا كان هناك من لا يزالون يعتقدون أن المواطنة درجات وأن الوطن تختلف مستوياته بحسب اختلاف تصنيف مواطنيه فذلك غير صحيح في هذا الوقت.