كان الإنسان في الماضي البعيد يستطيع أن يعيش بهدوء وسلام مع نفسه بالطريقة التي يرغبها أو يريدها؛ فإذا أراد اعتزال المجتمع أو مغادرة المدينة إلى قرية هادئة هانئة كان له ذلك حيث لم تتطور وسائل الاتصالات وتقتحم خصوصية الإنسان كما لم يكن العالم في ذلك الوقت متشابكا حتى أصبح عبارة عن قرية صغيرة. فقد أصبح الحاضر الذي نعيشه اليوم أكثر تعقيداً وتنوعاً وتلوناً تتمازج فيه الثقافات واللغات بدرجات متفاوتة وتختلط فيه الأعراق والأجناس بل تشكلت وتكونت دول عظمى نتيجة هذا الخليط من كل أعراق وأعراف وأجناس العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا وغيرها. لم يعد العالم يقبل الانغلاق فقد ارتبط ببعضه البعض من خلال وسائل التقنية والتواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي، وبالرغم من أن هذا الأمر حقيقة قائمة وظاهرة للعيان فمازال البعض لا يريد التعايش معها حتى يستفيد من حسناتها ويخفف من جوانبها السلبية؛ فليس في هذه الحياة شيء يمكن أن يكون كاملاً غير منقوص.

هذا البعض الذي يعيش التناقض العجيب بسبب إنكاره الواقع والمستجدات متأثراً بشكل واضح وليس خفيا ببرمجيات الصحوة التي عملت على تعطيل الفكر والقياس الصحيح وحاربت المنطق والفلسفة بعد أن حرمتها واعتبرتها بدعا وضلالا؛ لأن هذا الفكر يقوم على الانغلاق عن العالم، والتحكم في البشر وجعلهم مجموعة أو قطيعا يستطيع توجيهها وتحريكها؛ فلذا حرم ومنع على أصحابه ومريديه السفر أو النظر في وجه غير المسلم؛ مناقضاً بذلك مفاهيم الإسلام التي أسست على المحبة والرحمة والانفتاح على الآخر. إن مفاهيم الصحوة ترتكز وتنطلق من تفاسير ضيقة ومتشددة بل ومنحرفة في بعض الأحيان، حيث استغلت المكينة الإعلامية التي توافرت لها في فترة ليست بالقصيرة سعت فيها إلى ترسيخ هذه المفاهيم والتفاسير الخاطئة أو الضيفة وخرجت عن المألوف في كل العصور وأعادت صياغة التاريخ بشكلٍ يتماهى ويتماشى مع أدبياتها وسياساتها.

إن الكائنات التي تعيش في تناقض عجيب وترغب في أن تفرضه على المجتمع مفاهيمها، هؤلاء الأشخاص مازالوا يقاومون حقائق الحياة ولا يعترفون أن العالم أصبح قرية صغيرة ولا يحتاج إلى محاكم تفتيش صحوية تبحث عن البدع والهرطقة ولا ترى غير الفجور وعظائم الأمور التي هي فقط في نظرهم الضيق أو المنحرف.

كم نحن الآن في حاجة ماسة لمعالجة هذا الفكر المتغلغل في مؤسساتنا وفِي كل مفاصل المجتمع؛ فطلاب وأنصار ومريدو هذا الفكر التنظيمي بعضهم لا يعرفون أنهم مصابون بعدوى الانغلاق والكراهية، وأن عقولهم قد برمجت لدرجة أن درجاتهم العلمية والتعليمية أصبحت عديمة الجدوى في ظل هذه العقول المحبوسة غير القادرة على التميز والتفكير خارج نطاق ما برمجت عليه.

* مستشار قانوني

osamayamani@