يبدو أن العام 2018 سيكون موسما شديد البرودة، خاليا من الأجواء الحميمية الدافئة التي تبعث للألفة وحب الحياة، فما إن أطلت علينا هذه السنة العجيفة، وهبت نسماتها الباردة حتى تجمدت أطرافنا وأصيب الكثيرون منا بالحمى والأنفلونزا الحادة، التي ألزمتهم الفراش وبعثت في صدورهم المجهدة الونات والآهات، وخلفت في أنفسهم المحبطة وأمانيهم المرتعشة الخمول والانعزال عن بقية الناس، حتى الطيور التي كانت تملأ الأجواء وأغصان الشجر آثرت الهجرة بعد أن جفت الحقول وذبلت السنابل ولم تعد تجد في هذه البقعة من الأرض ما يروي عطشها أو يسد جوعها !

وأنا في الصيدلية، لأشتري الوصفة المعتادة لمثل هذه الحالة المرضية والتي لا تخرج عن الفيفادول والفولتارين وفيتامين سي، وقفت على غير العادة في طابور طويل، ولا أخفيكم حقيقة أنني مع طول المدة بدأت أشعر بالملل، لأن فترة الانتظار زادت عن حدها، تحرك الطابور في الأخير عدا ذلك الشخص، الذي تنحى قليلا إلى يمين الكاشير منتظرا، وحين وصلت لدوري وجدته شيخا طاعنا في السن قد غطى المشيب كامل لحيته، كان يحمل أدوية متنوعة بعضها بيده والبقية في الكيس، الذي وضعه على الطاولة، كان يتحدث مع المحاسب بحرقة شديدة، بعد أن اكتشفت بأنه تم احتساب القيمة المضافة على الحليب وبعض العلاجات التي يوجد عليها ختم وزارة الصحة، مع أن هذه الأصناف مستثناة تماما من الضريبة !.

المحاسب لم تكن لديه سوى إجابة واحدة: نعم تم احتسابها لكنني غير مسؤول، لأنني هنا مجرد عامل واذا كان لديك اعتراض قم بتصوير الفاتورة وقدم بلاغا على الرابط المخصص من قبل الجهة المختصة لمثل هذه الحالات، وقد وجد كلامه هذا تطبيلا من قبل الزبائن الذين أنهكهم طول الانتظار ويريدون صرف أدويتهم والمضي بسلام، أما الشايب فكان متضجرا للغاية وقال بحرقة: «أنا ما أعرف إلا أنت ويا ترجع الأدوية أو تنزل الزائد بالقيمة وإلا بتكون مشكلة كبيرة بيني وبينك».

هذا العجوز البسيط الذي استطعنا بالأخير تهدئته وتطييب خاطره، ما هو إلا مثال حي لشريحة من بعض المواطنين ترى بأن (ضريبتين بالرأس توجع)، حيث استغل التجار هذه المرحلة بزيادة الضريبة من 5% إلى 50% وأكثر، أو فرضها على منتجات مستثناة، أو زيادة السعر تزامنا معها كالزيادة التي طرأت على المشروبات الغازية والوجبات السريعة، وذلك على أمل ألا يشعر بتلك الزيادة الزبون، خاصة وأن حماية المستهلك تغط في سبات عميق، وأكره ما عليها أن يزعجها أحد الفاضين ببلاغ عن غش تجاري يجبرها على رفع السماعة أو فتح الرابط قبل أن تتثاوب وتعلق الخط وتعود لفراشها من جديد!.

التلاعب من قبل بعض التجار «الجشعين» لم يكن في «القيمة المضافة» فقط، بل تعداها إلى استغلال الزيادة التي طرأت على «البنزين» والاتصالات والكهرباء، حيث يتفننون في حلب جيب المواطن والتربح من ورائه خلال هذه المرحلة.