شبعت وتعبت الشعوب من الأيديولوجيات والشعارات التي سلبت منها كل شيء ولم تعطها أي شيء. سلبت منها الحرية والإنسانية وحق الحياة الكريمة، حرمتها حتى من لقمة العيش والأمن، ولم تعطها مقابل ذلك سوى التخويف والقمع والكلام الذي لا يضمن لقاحاً ضد المرض ولا كساء يقي برد الشتاء ولا رضعة حليب لطفل يتضور. كل الأيديولوجيات العابرة للقارات والشعوب سقطت في النهاية؛ لأنها غير صالحة للحياة والأحياء، كل النظريات الأممية سقطت، والآن يبدو أن نظرية تصدير الثورة ونصرة المستضعفين التي تلبست بها ثورة الملالي الإيرانية بدأت تترنح وفي طريقها الحتمي للاندثار.

ما يحدث في إيران منذ أيام هو امتداد لمحاولات سابقة من أجل الانعتاق من قبضة عصبة تحكم شعبا بالغيبيات والميتافيزيقا وتسلبه مقدراته وحقوقه لإشعال معارك وفوضى خارج حدوده بدافع الحلم بتحقيق غايات يصعب تحقيقها، أو يستحيل في هذه المرحلة من الزمن. زمن لم يعد إنسانه مستعدا لتقبل ما لا يخدم حياته وإنسانيته ويضمن له عيشا كريما، أو مشغولا بقضايا الآخرين بينما هو يتجرع صنوف المعاناة، وهذا ما يحدث في إيران منذ أربعين عاما.

كانت إيران دولة وطنية مستقرة تتمتع بشكل من أفضل أشكال الحياة، أمنا وتعليما وحضارة ورخاء وتعايشا مع شعوب العالم، كانت بعض الدول ومنها المملكة تبتعث طلاب الطب وبقية العلوم إلى إيران، وكان السياح يتدفقون عليها، لكنها أصبحت بعد الثورة الخمينية مقبرة للحياة والأحياء، وكانتونا مغلقا لا مكان فيه لغير المؤدلجين بفكر الثورة الذين أصابوا بلدا عريقا بكل العاهات والمصائب.

إيران تريد نفوذا في كل مكان وتصرف على هذا الطموح كل مواردها، بينما المواطن يعيش مرارات الحياة، ويبدو أنه لم يعد بعيدا تخلص الشعب الإيراني المغلوب على أمره من كابوس الملالي، وتخليص بقية الشعوب المتأذية منه.

habutalib@hotmail.com