ما تشهده إيران من مظاهرات في كافة مدنها ومناطقها مختلف عما شهدته من مظاهرات عام ٢٠٠٩، ما تشهده إيران لا علاقة له بالصراع بين المحافظين والإصلاحيين، ليست غضب الإصلاحيين على حزبهم الذي انتخبوه فخذلهم، كما أنها ليست سخط المحافظين على الذين انتزع السلطة منهم تيارٌ محسوب على الاعتدال، الذين يجوبون شوارع المدن الإيرانية متظاهرين ومحتجين فقدوا الثقة في الإصلاحيين والمحافظين والمعتدلين والمائلين ميلا شديدا، عرفوا أن المحافظين إنما يحافظون على مصالحهم وأن الإصلاحيين عاجزون عن إصلاح ما آل إليه حال العباد والبلاد وأن الاعتدال مستحيل في بلد تحكمه فتاوى قم وقبضة الحرس الثوري.

ما تشهده المدن الإيرانية من مظاهرات واحتجاجات موجه إلى قلب النظام نفسه، إلى رأسه المتمثل في «ولاية الفقيه» وحين ترتفع الشعارات هاتفة بإسقاط خامنئي وتمزق الجموع المتجمهرة صوره وتحرق اللوحات المسبحة باسمه والمصلية عليه فإن ذلك يعني أن الشعب الإيراني يقود ثورة ضد الثورة، الشعب الإيراني الذي ضاق بقمقم قم قرر بعد سنوات من الصبر والمعاناة أن يكسر هذا القمقم وأن يستعيد حريته وثقافته ووعيه الذي صادرته الثورة، أن يكون الشعب الذي قدم للعالم حافظ الشيرازي وعمر الخيام وشمس التبريزي، بل وجوجوش، إيران الحضارة والثقافة والحب والحياة والفن، إيران التي صادرتها الثورة واختصرتها في عمامة الفقيه وبندقية الحرس الثوري.

الشعب الإيراني الذي صادرت الثورة دولته المدنية ثار على الثورة التي تركته يجوع لكي تطعم جنودها الذين يقاتلون في كل مكان لتحقيق أوهام الثورة، وتركته يعرى كي يرتدي جنودها خوذات الحرب، الثورة التي تركته ينهار من الداخل كي تشيّد الميليشيات والأحزاب الموالية لها في المنطقة.

خرج الشعب الإيراني لينقض ما نسجته الثورة له من لباس العري والجوع والخوف والعداء الذي يكنه العالم أجمع لهذه الدولة المارقة.