كان الناس حتى عهد قريب تسود بينهم وفي تعاملاتهم ثقافة وقيمة اسمها «العيب»، فإذا صدر من شخص ما فعل منافٍ للمروءة أو الأمانة أو السلوك القويم فإن من حوله يقرعونه بعبارة تتضمن أن ما فعله عيب لا يليق بالرجولة أو الأخلاق الحميدة، فيكون لذلك التقريع والملامة أثر جيد يؤدي إلى تراجع ذلك الإنسان عن فعله المعيب واستماتته في تبرير موقفه بأنه لم يكن يقصد ما فعله، معترفاً بأنه أخطأ، مبدياً استعداده لإصلاح الخطأ سواء كان مادياً أم معنوياً، فَيُقَابل عندها من قِبَل اللائمين بصدور رحبة، وترحيب جميل بأنه أخوهم أو ابنهم، وأن مراجعتهم له هدفها وسببها أنهم يريدون أن يكون في المكانة التي تليق بأي إنسان محترم، وهكذا ينتهي الحوار والعتاب بسلام، بل وبنتائج إيجابية لصالح الشخص نفسه بصفة خاصة، والمجتمع بصفة عامة.

لكن انهيار وانحسار بعض القيم وفساد الكثير من أفراد المجتمعات جعل ثقافة العيب غير متداولة وغير معترف بها بين العديد من الناس، فإذا وقع بعضهم في أفعال تنافي المروءة والشهامة، مثل الغش في التعامل المالي وعدم الوفاء بالعقود والعهود وأكل أموال الآخرين بالباطل والكذب والافتراء والتلون في القول والعمل وتقديم شهادة الزور واستخدام قول الزور لإعانة أمثاله من الظالمين، أو ارتياد الأسواق والتشبب بالنساء وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وإيذاء الجيران وتعطيل معاملات المراجعين والارتشاء وغيرها من نواقض المروءة، فإن قام أفراد من المجتمع بلوم إنسان صدر عنه شيء من هذه البوائق فإنهم يُفاجأون به وهو يتبجح أمامهم ويسخر من قولهم ويتباهى بأفعاله القبيحة وبأنه لن يردعه عن فعلها أحد، وعندها يتبادل القوم النظرات ليقول واحد منهم: لا تتعبوا أنفسكم معه فإن العيب لا يُدركه إلا من يعرف العيب، وقد أصبح عدد الذين يعرفون العيب في هذا الزمان قليلاً:

وقد كنَّا نَعدُّهمُ قليلاً

فقد صاروا أقل من القليل.

ولذلك فقد أمسى كثير من الناس يضنون ببذل النصيحة لغيرهم إذا ما لاحظوا وجود اعوجاج في سلوكهم أو تعاملهم أو أقوالهم لخشيتهم من أن يكونوا من الذين لا يعرفون «العيب»، وأنه لن يحصد من نصائحه سوى الحنظل!