قبل خمسة وعشرين عاما، كنت أنتظر عودة أخي الكبير سعيد من عمله، لأختطف من يده جريدة الشرق الأوسط، وأقلب على الصفحة الأخيرة مباشرة، متخطيا كل الأخبار الدولية والصراعات الإقليمية والأحداث الفنية والرياضية، لأصل إلى تلك الزاوية الصغيرة ذات العنوان الجذاب (لا تقرأ هذا الخبر) والمحملة عن آخرها بالقصص المأساوية التي تقع في أصقاع المعمورة، إما بإحدى القرى الفقيرة بفيتنام أو تايلند شرقي آسيا أو بأدغال أفريقيا أو بأي من الأرياف العربية النائية، بعدها أطوي الجريدة مكتفيا بما قرأته، لأعيش حالة من الحزن والحيرة تجاه تلك الجريمة البشعة واللا إنسانية!

اليوم أضع بين يديكم خبرا من هذا النوع، لكنه وقع هنا وأبطاله مننا وفينا، والقصة على لسان الزوجة تقول: كان يعمل زوجي بإحدى الشركات الأهلية للكهرباء، فاقترض من البنك مبلغا يسدده على أقساط شهرية، وفجأة تم تسريحه من عمله، فالتحق بعد أشهر بالعمل لدى شركة أخرى براتب أقل، وقد حاول جدولة المديونية مع البنك لكنه رفض وطالبه بسداد المبلغ كاملا، وفي اليوم الذي تعرض فيه زوجي لإصابة عمل عبارة عن صعق كهربائي تسبب له بحروق كبيرة بالوجه والرقبة من الدرجتين الثانية والثالثة، كان موعد جلسته في قضية البنك، فتم اعتباره متخلفا وصدر بحقه حكم غيابي، لتنتقل المعاملة بعدها لمحكمة التنفيذ التي أصدرت أمر إيقاف خدمات على زوجي، الذي وجد نفسه فجأة فريسة للظروف الصعبة التي تحيطه من كل الجهات!

تقول الزوجة: نزل راتب زوجي لكننا لم نستطع صرفه، كما أنه لم يستطع مراجعة المحكمة لأن الدكتور منعه من الخروج في الشمس حتى تلتئم الحروق، لقد عشنا فترة صعبة جدا، لدرجة أنه بعد أن تحسنت صحته قليلا أصبحت أجهز بعض الأكلات المنزلية مثل ورق العنب والحلا والشاي ليبيعها ونوفر مصاريف بيتنا وأطفالنا، والمشكلة أن الناس ما شفنا خيرها ولا كفتنا شرها، حيث يسألني الكثير منهم: أنت وش الي مصبرك على هذي العيشة، ونسيوا أن هذا زوجي أبو عيالي ولو تخلى العالم كله عنه راح ابقى معه على الحلوة والمرة، وأملنا في الله كبير أن نجد يوما من يقف معنا وينصفنا.

معاناة مثل هذه العائلة الصغيرة، وهي اللبنة الأساسية لبناء ونهضة المجتمع، يفترض أن تجبر بعض المسؤولين أصحاب الضمائر الحية لتخطي كل انشغالاتهم ليصلوا إلى عناوينهم ويذللوا كل الصعاب التي تواجههم لضمان الحياة الكريمة، ويكفي للوقوف على الكم الهائل من القصص المأساوية لهؤلاء الناس البسطاء، أن تفتح إحدى الجرائد اليومية لتصطدم بثلاث أو أربع صفحات في كل عدد عن بلاغات محكمة التنفيذ للمحكوم عليهم بمراجعتها، أو تتجول بسيارتك بإحدى الطرق على ضواحي المدينة لتجد عربات الشاهي على الجمر والوجبات السريعة مكدسة على الأرصفة، ولكل منها حكاية وقصة مأساوية، وكأنها تعيد إلى أذهاننا تلك الزاوية الصحفية المثيرة، ولكن تحت عنوان (لا تقرأ هذه القضية)!