أسمته أمه (برهوم) لأنه ولد يوم وفاة أبيه، علّه يبرهم جراح الفقد. روى مغسّل الجنازة أن (أم برهوم) طلبت منه يضع ماعوناً تحت سرير غسل الجثمان، لكي يحفظ ماء الغسال فيه، وعندما خرج المشيعون بالفقيد للمقبرة، نزلت بالماعون إلى السفل، وكبت الماء على جسدها، كونه السبيل الوحيد للتخلص من حب (أبو برهوم).

لم تنته العدة حتى بدأ الهوى يغزو القلب المكلوم. جارهم (بو ناصر) أنيق، ولم يسبق له الزواج، وعاد من المدن بشنطة (بِكم) و مال يسد الحاجة. كانت أغاني (الصبوحة) تطرق سمعها مع الضحوية، فتخرج تتمشط قدام الباب، (وأبو ناصر) في الشباك عينه عليها، و كلما فرقت بالمشط شعرها من النص، وبانت عيونها، رفع صوت الطرب (يا أم العيون السود، حبل الوصال ممدود) ومع الإيقاع يطق إصبعا، فتدير وجهها عنه، وتعطيه مقفاها، فيزفر، ويردد «أموت في نظرة المحبوب وأهداب عينه».

بدأ برهوم يدرس على يد الفقيه، وكان يداعبه بقوله «في شكوى المندوب خشبة» وشقيقته (حاسنة) تعتني بقطيع من الأغنام، تسرح به مساء. وإذا اشتهى زوج أمهم (بو ناصر) المرق، نزل السفل والتقط أجودها وهما يلمحان بعين الحسرة، بينما أمهما تحرّضه من الخلف (خُذ أسمنها).

اقترح الفقيه على (برهوم) تزويج أخته، ورحيله من الديرة، كان الفقيه يرسم على البيت، وعلى الحطب والعلف، وكل ليلة يسهر عند أبي ناصر، وعرض على (أم برهوم) مبلغ الشراء، فقالت: والسفان وين أغديهم يا فقيه؟ أجابها: مالك إلا من يدبرهم. زوّج حاسنة راعي أغنام، وسفّر برهوم، واشترى البيت، وذات ليلة نزلت كهلته للسفل بالقازة، فسقطت منها، وشب العلف، بالحطب، وتحوّل لأنقاض.

تهجول برهوم زمناً، اشتغل في المواشي، ثم اشترى ناقة، ولحق بالبادية يفتش عن أخته ورحيمه، عشوه على كثيرة الشحم، وقال لحاسنة: افرشي لي فوق السطوح أبرد. ربط حبل الناقة في قدمه وأحكم وثاقها ونام، قامت أخته لتنشر غسيلها، ونفضت الثوب، ففزعت الناقة، ولم تر إلا غبارها. علمي وسلامتكم.

Al_ARobai@