بالرجوع إلى آيات الوحي المنزل «فليعبدوا رب هذا البيت» الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» يظهر للنابه التلازم بين الأمن الغذائي والنفسي والروحي، وبين العبادات، ولا أمن إلا بوطن، ولا وطن إلا بقيادة راقية تضع المواطن أولاً وتجعله قيمة عليا.

عندما منحت الدولة المجتمع فرص المشاركة وتفعيل المبدأ المدني النابه، هب التيار المنظم سلفاً لدينا، واكتسح كراسي المجالس البلدية، في ظاهرة جغرافية، لافتة ومحيّرة، ما يؤكد أن تطبيق بعض الأدبيات الحضارية في مجتمعات تقليدية لن يزيدها إلا تقليدية ورجعية.

كلما شعر المتحزبون بالخطر لا بالحرج، هبوا للبدائل، والبديل دوما جاهز، من خلال الاستفزاع بالقبيلة لتحضر الفزعة المكارثية، لتكرّس ذات التوجه وذات الأسماء، إذ إن القبلي مكون مجتمعي يعزز الانتماء الضيق، ويتجاهل المصلحة الوطنية في سبيل نفع قريب وابن عم وذوي رحم وعشيرة.

ولم تغب الشللية والمعرفة والصداقة عن تشكيل المجالس المحلية (مجلس المنطقة، أو المجلس البلدي، أو حتى مجالس الغرف التجارية) حد أن البعض توسّل معارفه برسالة تقول (تكفى لا تحرمني صوتك).

ويظل المال وإغراءاته لاعبا رئيسا في ترشيح غير مؤهل لموقع يحتاج القدرات النوعية النافعة أكثر من حاجته لشخصيات تجيد الترزز والتمظهر ولا تؤدي دوراً حضارياً يحسب لها في سجل العطاء الوطني.

سألني صديق: هل نحن مؤهلون للمدنية، فقلت: من الدولة نعم، أما من التياريين فلا؛ لأن اللاعبين سيحضرون مجدداً وسنقع في ما نخشاه من خسارة النخب المؤهلة والفاعلة.

كرّ بسؤال آخر: ما هو الحلّ؟ فذهبت إلى أنه في إعادة بلورة الوعي بالعلم وأكرر بالعلم فقط، فالتنوير يعني أن تكون جميع المكونات والمغذيات الراجعة تابعة للعلم، وبما أن العلم مسؤولية الدولة فإنه السبيل الأوحد والمخرج المثالي للتخلص من ربق الانتماءات الفئوية والجهوية والحزبية والانتماء لأنقى فضاء يمكن أن يرتقي بنا وبمجتمعاتنا ومجالسنا.

حاصرني بسؤال ثالث: كيف ترى واقع المجالس الحالية؟ فقلت لعل مجلس الشورى أنصع مثال على نجاحه من خلال طرح بعض أعضائه المستقلين وعياً، ذلك أن طرح المستقل متمايز كثيراً عن طرح التابع.

Al_ARobai@