الكثير من الأحداث في المجتمعات العربية تبرز الوجه السيئ للنزاعات الخلافية التي تغلغلت في مفاصل البناء الاجتماعي العربي، خاصة إذا أُقحم النزاع المذهبي عمدا في التوجهات السياسية، فالطموح إلى الوحدة العربية لا يأتي بمعزل عن ذكرها.

سيجد المتأمل في بعض البرامج الحوارية التي تناقش ما يتعلق بالوضع العربي جاهزية بعض المحاورين في استحضار قوالب التصنيف المعدة مسبقا تبعا للمعتقد أو الفكر أو تعاكس المصالح السياسية، والمشكلة أنها حين تفتقر الثقافة العربية إلى أدبيات الحوار، سنجد أن المواقف تزج عنوة في سلة الطائفية والنزاعات والفوضى وتقاذف الاتهامات، حيث إن الانقسام يحدث رغم تفاوت المطالب والاحتياجات ومدى عمقها الجماهيري.

لن تستطيع الشعوب العربية تحديد أهدافها إذا كانت قيادة الرأي العام تستثير العاطفة وتغذي الاختلاف وتحرك نزعة المرجعية الجماعية بأسلوب التفرقة ضد مصالح المجتمع الواحد، وضد احتواء الوحدة الوطنية لجملة من البشر رغم تعددهم واختلافهم، فإن كانت كل طائفة تشكل تكوينا للمجتمع، فمن الضرورة أن تنتمي إليه بأمر مشترك مهم يحقق لها ولغيرها الضروريات والحقوق والحاجات نفسها، وبهذا فالتعدد أمر مفروغ منه ووجوده مطلب، ويجب أن يكون لأجل ذلك مقبولا.

إن بناء الهوية هو السبيل نحو ولاء الشعوب لأوطانهم، حتى ولو لم تتفق الأفكار والمعتقدات، فإن الضروري هو الاتفاق على جملة من الأخلاق الإنسانية التي تفرض على الجميع التعايش وفق مفهوم المواطنة والوطن، الذي هو حق للجميع وحمايته وتوحيده هما الهدف، فحماية الوطن من زعزعة الوحدة التي تأتي من تحويل الاختلاف إلى خلاف، تمكننا من التصدي للثغرات التي يستغلها المغرضون، وستمكننا من الاتفاق على أساليب العيش المتاحة والممكنة مع تقدير الاختلافات والاعتراف بها، فإذا تقبلنا الآخرين واحترمنا حقهم في المشاركة، فإن هذا سيسهم بشكل إيجابي في خلق مجتمع حضاري تفاعلي متكاتف ومتعدد الأطياف، يحتضن أبناءه على قدر كبير من الوعي والمسؤولية.

maha3alshehri@gmail.com