حسب الإحصاءات التاريخية فأكبر قاتل للبشرية كان الشيوعية؛ حيث قتلت الأنظمة الشيوعية من شعوبها حوالى المئة مليون إنسان، وهذا غير ضحايا الحرب الباردة بين قطبي الشيوعية والرأسمالية الأمريكية، والتي لم تكن باردة بالدول التي كانت ساحة لها، حيث قتلت حوالى عشرين مليون إنسان، وكل هذه الكوارث بدأت من كتاب واحد ألفه الفيلسوف الألماني كارل ماركس، وكل دراسة له دائما تبدأ بذكر خلفية الحياة الشخصية للمؤلف باعتبارها المؤثر الذي صاغ هذا الكتاب كردة فعل عليها، إذ رزق ماركس سبعة أبناء لكن لشدة فقره مات أربعة منهم أطفالا ولم يملك ما يكفي لعلاجهم ثم لتوفير توابيت لهم، وأصيب ماركس بأمراض ناتجة عن الفقر عذبته طوال حياته، ومازال يمكن زيارة بيته المكون من غرفتين صغيرتين، وخبرته القاسية مع الفقر جعلته يحقد على مبدأ الثروة الفردية.

وبالتراث الإسلامي تمت مناقشة أثر الفقر على مزاج الفقهاء وأنه يجعل مزاجهم حادا متشددا ويطبع آراءهم الفقهية بطابعه، بعكس الفقهاء الذين عاشوا حياة رغد مادي حيث مالت آراؤهم للاعتدال والسماحة، فالإنسان ليس أجزاء منفصلة، وتبقى ذات المعضلة حاضرة في عصرنا الحالي بالعالم العربي والإسلامي، إذ دخل الكتاب والمؤلفين لا يرفعهم عن مستوى ضنك الفقر وسوداويته وحدة مزاجه وحس الأزمة فيه، بعكس المؤلفين والكتاب الغربيين الذين يتمتعون بدخل مالي مرتفع يجعلهم يعيشون حياة رغيدة ويبدو أثره واضحا بمزاجهم وآرائهم، كما أن المؤلفين والكتاب بالعالم العربي نظرا لضعف دخلهم المالي يضطرون للعمل بمهن أخرى لتأمين دخل للعائلة، وعدم التفرغ هذا لا يترك لهم مساحة كافية لسعة المطالعة والتعارف مع الثقافات الأخرى والعالم الخارجي عبر السفر والمعارض والمتاحف، ولا يبقي لهم وقتا كافيا للتفكير المعمق، وهذا يؤثر على نوعية كتاباتهم ويجعلها أحادية البعد سطحية وغير ناضجة، وكثيرا ما تكون وصفا لمعاناتهم من بؤس الفقر ولا تتجاوزه إلى التفكير بآفاق الخيال الخلاق والتفاؤل بإمكانيات الازدهار؛ لأنهم محرومون من ثماره.

ولهذا وبينما أكبر مجالين للمؤلفات الأدبية في الغرب هما الخيال العلمي والفانتازيا الشاعرية، فهذان المجالان غير موجودين بالعالم العربي، فحتى غالب المسلسلات والأفلام العربية سواء الكوميدية أو الجادة منصبة على تجسيد قبائح أحوال الفقر المدقع من واقع خبرة المؤلفين الشخصية به، ولهذا هي تفتقر للخيال والجمال وتتسم بالسوداوية العبثية العدمية الناقمة، ولذا من المعتاد أن يقوم الناس بحملة مناشدات مذلة لتوفير إعانة مالية أو علاج لكاتب ومؤلف تأثر به الملايين لكنه بقي فقيرا.

bushra.sbe@gmail.com