ردة الفعل ليست بالضرورة هي الإجراء أو العمل أو الفعل الصحيح؛ لأن ردة الفعل ماهي إلا سلسلة من الانعكاسات للفعل الأساسي وردة الفعل قد تكون انفعالاً أكثر من كونها عملاً أو فعلا بناءً هادفاً منتجاً. والفرق بين الفعل وردة الفعل أن الفعل في أساسه يقوم على تفكير وتخطيط ودراسة أما ردة الفعل فأغلبها مجرد انفعال وقتي، وهو إجراء الهدف من ورائه إما إظهار عدم القبول أو الرفض أو إعاقة أو منع الفعل أو تأخير حدوثه أو تخفيف آثاره أو مجرد إظهار لمشاعر وأحاسيس انفعالية وهلم جرا أو ما إلى ذلك.

والبشر في حقيقتهم يتفاوتون ويتباينون، فالقادة والعظماء والرؤساء هم من يصنعون الفعل، وأما التنفيذيون فهم من يديرون الأفعال ويخرجونها في شكلها النهائي، والإداريون يقومون بالمتابعة والإشراف على التنفيذ، وغيرهم يقومون بالتعامل مع هذه الأفعال التي تحكم حياتهم اليومية والمعيشية فهؤلاء لا تخرج أفعالهم وتصرفاتهم غير ردود فعل لأفعال يعملها المؤثرون.

كان من الضروري أن أتناول الفرق بين الفعل وردة الفعل وخطورة ردة الفعل في بعض الأحيان؛ لأنها تتسبب في إخراج الموضوع عن سياقه، كما هو الحال للأحداث التي تلت قرار الرئيس الأمريكي وما تبعها من ردود فعل وخاصة الصادرة من تركيا وإيران وكل من يتاجر في القضية الفلسطينية أو القدس الشريف على وجه الخصوص، الذي هو رمز هام للمسلمين والمسيحيين واليهود، واستغلال المشاعر لتجزئة القضية وإضاعتها وفقد الزخم الحقيقي الذي كانت تحظى به سواء على الصعيد الجماهيري والمحلي أو الرسمي والإقليمي والدولي.

القدس الشريف بالنسبة للفلسطيني قضية تهم كل شرائح المجتمع الفلسطيني المسيحي والمسلم بل وهناك الكثير من اليهود الذين يرفضون قرار الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والذي هو في حقيقته تنفيذ للقرار الذي أصدره الكونغرس الأمريكي منذ زمن طويل، وعلى الصعيد العالمي المسيحي فإن القدس لها أهمية في وجدان المسيحيين وعالمياً القدس تعتبر تحت الاحتلال ولا يصح أن تضمها دولة إسرائيل، وعليه فإن دعوة الرئيس التركي تبني فكرة أن القدس إسلامية تفقد القضية الكثير من زخمها وخاصةً أنه لا وجود لمواقف وأفعال حقيقية وآليات وأعمال مدروسة بعناية تستطيع أن تخلق أفعالاً وليس أقوالاً ومجرد ردود فعل غير مؤثّرة.

الدول الأوروبية ليست لها أي سياسات حقيقية ملموسة غير بعض القرارات البسيطة والمعونات الضئيلة التي تقدم للفلسطينيين في الضفة الغربية، كما أن أوروبا منشغلة بمشاكلها الداخلية ووجود اليمين المتطرف لا يساعد القضية الفلسطينية، وعليه لن تكون أوروبا الوجهة الصحيحة، كما أن أسلمة القضية يفقدها تعاطف ونصرة الشعوب المسيحية في روسيا وغيرها من البلدان ذات الأغلبية المسيحية.

إن إحياء عملية السلام والانتفاضة الفلسطينية وتسليط الأضواء على الممارسات الإسرائيلية الوحشية وعدم التزامها بحقوق الإنسان والتحرك دولياً وعمل المنتديات والندوات التعريفية بحقوق الإنسان المنتهكة في إسرائيل وتوثيق كافة الانتهاكات وملاحقة كل من يرتكب جرائم في حق الفلسطينيين والتعريف بالقضية الفلسطينية ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية وخاصة التي مصدرها المستوطنات وغير ذلك من إجراءات على الصعيد الشعبي مثل الحفلات الثقافية والفنية التي تعنى بالتراث الفلسطيني سوف يجعل من القضية مرة أخرى تعيش في وجدان المجتمع الدولي، وكفانا عنتريات ومتاجرة في القضية والتي لم تنتج لنا غير خراب الديار وضياع القضية.

* مستشار قانوني