رب ضارة نافعة، هكذا يقولون، وهكذا نجد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي اعترف فيه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وما تمخض عنه من عزمه نقل سفارة بلاده إليها، ضاربا عرض الحائط بكل القوانين والمواثيق والقرارات الدولية.

نعم، القرار صدمة لنا، وصفعة لأي خطوة نحو الحل السلمي بين العرب والإسرائيليين، لكن المتمعن في آثار هذا القرار، سيجد أن له إيجابيات واضحة، حبذا لو أحسنا الاستفادة منها واستغلالها بذكاء.

وأول هذه الإيجابيات، على المستوى الدولي، وبخاصة بعد استخدام أمريكا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار تقدمت به مصر إلى مجلس الأمن بشأن القدس، وتعارض قرار ترمب مع قرارات الأمم المتحدة، أقول أول الإيجابيات هو كشف أمريكا أمام العالم. فعندما توافق أربع عشرة دولة على مشروع القرار، وترفضه أمريكا وحدها، فهذا يعني أن أمريكا في واد، والعالم في واد آخر، وأن السيد ترمب يغرد خارج السرب. لقد استمعت إلى كلمات مندوبي الدول الأعضاء في مجلس الأمن قبل التصويت على القرار، فإذا بها رفض تام لكل ما يترتب على القرار الأمريكي. لقد أصبح جليا أن الدور الأمريكي في عملية السلام في الشرق الأوسط قد انتهى تماما، لانحيازه السافر إلى جانب إسرائيل.

إذن الجانب الإيجابي هنا يتمثل في كشف أمريكا على حقيقتها، وإبطال مزاعمها بشأن رعايتها للسلام، وهو ما يستلزم من الجانب العربي البحث عن وسيط نزيه آخر.

أما الإيجابيات على المستوى العربي والإسلامي فهي عديدة، إذ ربما كانت المرة الأولى التي يجمع فيها العرب والمسلمون على موقف موحد تجاه إحدى قضاياهم، فلم تكن هناك دولة واحدة خرجت على هذ الإجماع الرافض للقرار الأمريكي، والمؤكد على عروبة القدس الشريف.

ومن الإيجابيات كذلك، ذلك الحراك التوعوي، المتمثل في البرامج التليفزيونية واللقاءات والمحاورات والمقالات الصحفية التي قدمت للمواطن العربي جرعة مناسبة للتعريف بعروبة القدس وهويتها الإسلامية، فكثير منا، شبانا وشيوخا، لا نعرف تاريخ القدس، ولا مكانتها في تراثنا وعقيدتنا.

المطلوب منا إذن حسن استغلال هذه الإيجابيات على المستويين، الدولي والعربي الإسلامي، وذلك بمواصلة العمل الدبلوماسي مع دول العالم، لحشد التأييد التام للدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، واللجوء إلى المحافل الدولية الأخرى التي لا تسيطر عليها أمريكا.

مطلوب كذلك استمرارية الحركة التنويرية للأمة العربية والإسلامية، وأن يكون تاريخ القدس ومكانتها جزءا من ثقافتنا وتعليمنا وحواراتنا في مدارسنا وفضائياتنا وصحفنا، بل وفي الصالونات الأدبية التي يعقدها الأدباء والمثقفون.

وفوق هذا كله، فإن أهل القدس وحماة المسجد الأقصى بحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي لمواصلة انتفاضتهم من أجل تحجيم الاحتلال وصد العدوان.