سعيد آل منصور (جدة)
على مدار الأشهر الستة الأولى من عام 2017، احتل الأمير الشاب – كما تصفه الصحف الأجنبية – مساحات واسعة من صفحاتها بشكل رئيس، لا سيما أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان استطاع تحويل مسار دفة القيادة إلى نسق أراد الغرب رؤيته في المملكة منذ سنوات طويلة.

وشغل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وسائل الإعلام الأجنبية بشكل مكثف على مدار السنوات الماضية، لا سيما بعد أن قاد دفة التحول عن الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل الوطني، والتفكير في صياغة نسق مغاير لاقتصاد الرياض، ضمن رؤية 2030 الشاملة.

وحلّ ولي العهد السعودي في المرتبة الثالثة في «قائمة الخمسين» الأكثر تأثيرا في العالم لعام 2017، التي تصدرها مجلة «بلومبيرغ بيزنس ويك» التابعة لوكالة «بلومبيرغ» العالمية.

وأرجعت «بلومبيرغ» سبب اختيارها لمحمد بن سلمان إلى التغييرات الكبيرة التي أجراها في المملكة؛ لاسيّما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وقالت: «رغم أن أهداف (رؤية 2030) التي هندسها الأمير محمد بن سلمان لاتزال في طريقها للتحقّق، لكن يمكن القول إن أقوى أدوات الأمير محمد لإعادة تشكيل اقتصاد المملكة يتمثّل في خطته للعام المقبل، ببيع حصة في شركة النفط السعودية العملاقة (أرامكو)، والتي يُمكن أن تُمثّل أكبر طرح للاكتتاب العام في التاريخ».

كما أن صحيفة «ذا نيويوركر» الأمريكية، قارنت بين الأمير محمد بن سلمان، وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب بشكل رئيس، فكلاهما يمضي في عقده الثالث، وأيضا يحمل مسؤوليات جسيمة على عاتقه، إذ ترى الصحيفة، أن ولي العهد، يحمل راية التغيير في المملكة، وأنه واضع سياسات بلاده الاقتصادية والسياسية، ومُبرم صفقاتها العسكرية، إضافة إلى إطلاقه صافرة البحث عن مصادر دخل اقتصادية جديدة، بعيدا عن الاعتماد الرئيس على مصادر البترول.

وشبهت الصحيفة الأمريكية كوشنر بالأمير محمد بن سلمان، لا سيما أنه يتحمل مهام إقامة السلام في الشرق الأوسط، ورسم نسق علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع الصين والمكسيك، إضافة إلى إعادة تنظيم البيت من الداخل، بما يتناغم مع رؤية ترمب الحديثة والمغايرة للإدارة السابقة في البيت الأبيض.

مهندس الرؤية

بدورها، أشادت صحيفة «نيويورك تايمز»، بولي العهد في أعقاب اللقاء الذي أجراه على شاشة (mbc)، إذ أشارت إلى الجهد الواسع الذي يقوم به، لتنفيذ رؤية المملكة 2030، والتي تمثل طوق النجاة من تذبذب أسعار النفط على المستوى العالمي منذ عامين تقريبا، لافتة إلى أن الأمير الشاب يقود رؤيته بشكل يقترب من النجاح الكامل.

وعلى صعيد متصل، قالت صحيفة «الغارديان» البريطانية، إن الأمير محمد بن سلمان أحدث صدى واسعا خلال الفترة الماضية، لا سيما بعد لقاء الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، في مارس الماضي، للنقاش حول عدد من القضايا والملفات التي تهم كلا من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بشكل رئيس في المنطقة.

وأبرزت الصحيفة البريطانية العملاقة حديث ولي العهد في اللقاء التلفزيوني الأخير الذي أكد من خلاله عزم المملكة على عدم الانتظار لتكون أرضها هي ساحة الصراع مع إيران، الأمر الذي مثل تحذيرا شديد اللهجة لنظام الملالي، وتوجيه رسالة له بضرورة التخلي عن أحلام فرض النفوذ العقائدي على العالم الإسلامي.

من جانبه، أكّد الكاتب البريطاني أيان كينغ أنَّ رؤية المملكة الشاملة 2030 التي رسمها ولي العهد تمثل واحدة من أفضل خطوات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي بالمملكة، مشددا على ضرورة تكثيف الطابع الاجتماعي في إصلاحات الرؤية الشاملة.

وأوضح كينغ أنَّ «رؤية 2030» فكرة رائعة، ولكن بوضوح تحتاج إلى بعض الإصلاحات الاجتماعية، معتبرا أنَّ دمج المرأة في سوق العمل والوظائف المعتمدة على المهارات بشكل رئيس هي أهم بنود الإصلاحات الاقتصادية للرؤية الشاملة.

التقارب السعودي الأمريكي

وأبرزت الصحف حديث الأمير محمد بن سلمان خلال حواره مع الكاتب الأمريكي المخضرم ديفيد أغناتيوس، عن تطلعه لعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ووصفِه – ترمب – بأنه الرئيس الذي أعاد أمريكا إلى المسار الصحيح بعد سلفه أوباما الذي لا يثق فيه السعوديون، فلم يكمل ترمب 100 يوم حتى استعاد جميع تحالفات أمريكا التقليدية.

من جهة أخرى، أكدت وكالة «بلومبيرغ» أن اللقاء الذي جمع الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض، يعد «نقطة تحول تاريخية» في علاقات المملكة مع الولايات المتحدة.

وفي تقرير لها نقلت الوكالة: «لقد مرت العلاقات بفترة من تباعد النظر في عديد من الملفات.. إلا أن اللقاء أعاد الأمور إلى مسارها الصحيح وشكّل نقلة كبيرة للعلاقات بين البلدين في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية كافة».

ووفق «بلومبيرغ»: يعكس الثناء على «تفهم» ترمب «الكبير» للعلاقات السعودية - الأمريكية حرص الدول العربية على تجديد التحالف بعد التوترات التي شهدتها العلاقة في عهد الرئيس السابق أوباما، الذي صاغ الاتفاق النووي في عام 2015 مع إيران.

عصرنة السعودية

وذكر مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى سايمون هندرسون أن الإدارة الجديدة تنظر إلى السعودية «كجزءٍ جوهري من الشرق الأوسط، ودولة مهمة لتحظى بعلاقة إيجابية معها، حتى إن شهدت هذه العلاقة بعض التوترات. وهذا يتناقض مع إدارة أوباما؛ لذا يرغبون في جعل ذلك تمييزا واضحا».

وأضاف تقرير الوكالة: تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان بعد زيارة قام بها لواشنطن في يونيو بعد إزاحة الستار عن «رؤية 2030»، التي تهدف إلى «عصرنة» أكبر دولة مصدّرة للنفط، وتحويل اقتصادها إلى اقتصادٍ لا يعتمد على النفط. كما أن شركة أرامكو السعودية تخطط لما يمكن أن يكون أكبر طرحٍ عامٍ أوليّ في العالم، إذ من المتوقع أن يُباع نحو 100 مليار دولار من الأسهم.

الخطر الإيراني

وأضافت: قال السعوديون أيضاً إن ترمب والأمير محمد بن سلمان «تشاطرا وجهات النظر نفسها حول خطورة التحركات الإيرانية التوسعية في المنطقة».

ووفقا لكريستين سميث ديوان (باحث مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن) فإن السعودية ودول الخليج الأخرى كان لديها «تحسب إيجابي» تجاه إدارة ترمب، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بما يعتبرونه نفوذا إيرانيا خبيثا في المنطقة. وفي فبراير، قالت إدارة ترمب إنها وضعت طهران تحت «المراقبة»، وذلك بعد أن قامت بتجربة صاروخية قبل أيام من ذلك الحين.

تواصل خليجي

من جانبه، ذكر كريستين أثناء كلمة ألقاها في واشنطن، أن السعودية والدول الخليجية أصبحت تستجيب الآن لـ«سياسة ترمب الخارجية الأكثر تخصيصا»، بما في ذلك غاريد كوشنر، الذي يلعب دورا بارزا مع الحلفاء في الخليج العربي.

وأوضح ديوان قائلا: تُعد زيارة الأمير محمد لواشنطن مؤشرا على محاولة دول الخليج «المبكرة لبناء علاقات وثيقة».

الارتقاء السياسي

وأشاد مدير معهد دراسات الشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا، في جامعة برينستون الأمريكي الكاتب المخضرم البروفيسور برنارد هيكل، بصعود الأمير محمد بن سلمان إلى ولاية العهد، مشيرا إلى أن خطوات الارتقاء السياسي للأمير الشاب تحمل خططا مستقبلية جيدة لإبقاء المملكة في صورتها القوية بالشرق الأوسط.

وأوضح برنارد، في سياق مقاله بصحيفة «إيريش إكزامينر» الآيرلندية، أن تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد سيؤدي إلى تبسيط عملية صنع القرار، وتخفيف المخاطر السياسية المتأصلة في أي نظام من مراكز القوى، الأمر الذي من المتوقع أن ينعكس بدوره في قوة القرارات التي تتخذها السعودية على مستوى السياسات الخارجية.

وأشار البروفيسور المخضرم إلى أن دعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وثقته الكبيرة في ابنه الأمير محمد بن سلمان، لم تكن الدافع الوحيد لمنحه هذا المنصب الرفيع، لافتا إلى أن ولي العهد الشاب يتمتع بثقل سياسي واضح، أهله على مدار السنوات الأخيرة لتولي هذا المنصب عن جدارة واستحقاق رغم صغر سنه.

وأضاف هيكل، أن محمد بن سلمان أظهر خبرة وثقلا كبيرا في التعامل مع العديد من الملفات الحيوية على مستوى السياسة الخارجية، والتي كان على رأسها إقامة علاقات رائعة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ودعمها بصفقات من العيار الثقيل على المستوى العسكري والإستراتيجي والاقتصادي، بما يضمن الشراكة العميقة بين الرياض وواشنطن. وأضاف البروفيسور الأمريكي، أن الأمير محمد بن سلمان استطاع أن يذهب باقتصاد المملكة بعيدا عن الصورة التقليدية التي لطالما حكمت القواعد المنظمة له، وسعى لصياغة سياسات اقتصادية جديدة تشمل إجراءات ترشيد استهلاك وخطوط رئيسة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى المملكة، فضلا عن المضي قدما في خطوات انفتاح بلاده على الثقافات والجوانب الترفيهية العالمية. وشدد هيكل على أن أهم بنود خطط ولي العهد التي تتعلق برؤية 2030 الشاملة، تهدف في المقام الرئيس لتحويل المملكة بعيدا عن الاعتماد على الدخول النفطية، ومن ثم تنشيط القطاعات المساهمة في الاقتصادي السعودي، بما في ذلك الاستثمارات الخارجية والأسواق المالية، وغيرها من الموارد الممكنة للمملكة.