«عكاظ» (جدة)
أخيراً جاء القرار الذي ظل عقودا مسكوتا عنه، على رغم حاجة المجتمع إليه، إذ وافق مجلس إدارة الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع في السعودية على إصدار تراخيص للراغبين في فتح دور للعرض السينمائي بالمملكة. ويعد القرار انتصارا للفن، وكسرا لقيود التشدد التي أحبطت الكثير من المشاريع المهمة، فالسينما تمثل عائدا اقتصاديا كبيرا لم يكن مبررا غيابها عن الساحة السعودية، بل إن هذا التحول الذي تشهده السعودية الجديدة في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين، وخصوصا المتعلق بالفنون سيخلق بيئة تنافسية صحية، ويُسهم في تعدد المجالات الفنية القادرة على احتواء الشباب، وتلبية احتياجاتهم وإيجاد فرص وظيفية كثيرة، وكبيرة في عائدها الاقتصادي، وسيقودنا إلى الاتزان الاجتماعي.

ومن المقرر البدء بمنح التراخيص بعد الانتهاء من إعداد اللوائح الخاصة بتنظيم العروض المرئية والمسموعة في الأماكن العامة خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً.

وقالت وزارة الثقافة والإعلام، في بيان، إن «الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع ستبدأ في إعداد خطوات الإجراءات التنفيذية اللازمة لافتتاح دور السينما في المملكة بصفتها الجهة المنظمة للقطاع».

وأضافت: «سيخضع محتوى العروض للرقابة وفق معايير السياسة الإعلامية للمملكة»، كما أكدت بأن «العروض ستتوافق مع القيم والثوابت المرعية، بما يتضمن تقديم محتوى مثرٍ وهادف لا يتعارض مع الأحكام الشرعية ولا يخل بالاعتبارات الأخلاقية في المملكة».

فرص وظيفية

وأعربت الوزارة في بيانها، عن أملها بأن تسهم هذه الخطوة في تطوير اقتصاد القطاع الثقافي والإعلامي ككل، وتوفير فرص وظيفية في مجالات جديدة للسعوديين، وإمكانية تعليمهم وتدريبهم من أجل اكتساب مهارات جديدة.

يذكر أن هيئة الإعلام المرئي والمسموع قطعت شوطاً كبيراً في دراسة القطاع السينمائي، وإعداد الأطر التنفيذية اللازمة لخلق تجربة سينمائية متكاملة بشكلٍ لا يقتصر فقط على ما تعرضه الشاشات، بل تقديم تجربة ثقافية وترفيهية لكل أفراد العائلة.

وتوقعت مصادر مطلعة أن يؤدي تشغيل القطاع السينمائي إلى زيادة حجم السوق الإعلامية، وتحفيز النمو والتنوّع الاقتصادي من خلال المساهمة بنحو 90 مليار ريال إلى إجمالي الناتج المحلي، واستحداث أكثر من 30 ألف وظيفة دائمة، إضافة إلى أكثر من 130 ألف وظيفة مؤقتة بحلول عام 2030.

ومن المقرر إعلان مزيد من التفاصيل الخاصة باللوائح والأطر التنظيمية في الفترة القادمة.

عودة السينما

كما أن القرار أعاد للأذهان مرحلة الثلاثينات الميلادية، والتي شهدت بداية دخول صالات السينما، فكانت البدايات مع قدوم مجموعات من الخبراء الغربيين للعمل في شركة كاليفورنيا العربية للزيت التي تحول اسمها لاحقا إلى «أرامكو»، فأدخلوا دور السينما إلى المملكة، وذلك في مجمعاتهم السكنية المغلقة في مدينة الظهران بالمنطقة الشرقية واستمروا على ذلك حتى فترة بداية السبعينات الميلادية.

وبحسب الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي جورج سادول في كتابه الشهير «تاريخ السينما في العالم» عام 1965 فإن السينما لم تدخل رسميا إلى المملكة العربية السعودية، على رغم وجودها داخل المجمعات السكنية للموظفين الغربيين مثل موظفي شركة (أرامكو) التي تعرض أحدث الأفلام وقتها.

ويضيف سادول: «افتتحت الصالات السينمائية السعودية خلال السبعينات الميلادية عبر الأندية الرياضية على وجه التحديد للرجال فقط، وفي بعض السفارات الأجنبية والبيوتات الشهيرة خصوصا في جدة والطائف، ولكن بشكل عشوائي تفتقد فيه التنظيم والتهيئة اللازمة للمشاهدة، حتى تم إغلاقها بشكل نهائي لاحقا. كما أن أحياء موظفي أرامكو بالمنطقة الشرقية تحتضن صالات للسينما منذ افتتاحها وحتى وقتنا الحالي إلا أن الإقبال عليها ليس قويا وذلك بسبب اقتصارها في الدخول على موظفي أرامكو وعائلاتهم».

مراقبة المحتوى

والسينما هذه المرة لن يكون اختيار المحتوى المعروض عشوائيا وفي مواقع ليست مهيأة مثلما كان دارجا آنذاك، بل سيخضع محتوى العروض للرقابة وفق معايير السياسة الإعلامية للمملكة، وستتوافق العروض مع القيم والثوابت المرعية، بما يتضمن تقديم محتوى مُثرٍ وهادف لا يتعارض مع الأحكام الشرعية، ولا يخلّ بالاعتبارات الأخلاقية في المملكة.

سينما أحواش جدة

كانت السينما متاحة في جدة، إذ بدأت في الدور الثاني من السفارة الهندية التي كان مقرها ببيت «باجنيد» بـ«حارة البحر»، أو في عروض خاصة ببيوت ميسوري الحال.

لكن السينما بوصفها ملمحاً جماهيرياً شقت طريقها في «جدة» عن طريق رائد السينما التجارية «فؤاد جمجوم» في عام 1962 الذي وفّر قاعة للعرض في «حارة الجماجمة» بحي «البغدادية»، وافتتح بجانبها متجرا لتأجير أجهزة السينما التي عمد إلى توريدها إلى باقي الأحواش المشتغلة بعروض السينما وإلى الأفراد أيضاً. كما كان حوش سينما «الجمجوم» بـ«البغدادية» غير مسقوف، تصطف فيه الكراسي الخشب، والجلسات فيه عائلية بلا تفرقة. وبمقاييس زمانه هو الأعلى سعراً، بخلاف الفروع الأخرى لسينما «الجمجوم» التي افتتحها «فؤاد جمجوم» مع أخيه «عبدالعزيز» في حارتي «البخاريّة» و«باب شريف».

أمكنة العرض وفقا لمن عاصروها لم تكن صالات، كما يتداعى إلى الذهن، أو أمكنة مغلقة كما يبتغي العرض، بل مساحات مفتوحة تحفها المنازل مع بعض الحواجز البسيطة يفترش المرتادون أرضها، وقد يتفنن بعضهم بجلب عدة كراسي خشبية من طراز خاص يتلاءم مع متطلبات 3 ساعات متتالية تمتد من الساعة 7 إلى 10 مساء كل يوم محاطة ببعض الديكورات البسيطة، ثم تطورت عمليات العرض بشكل احترافي في فندق العطاس الواقع في شمال أبحر. ومن أشهر الأسماء المعروفة حينذاك بتقديم العروض السينمائية، إضافة لدار جمجوم، دار محمد أبوصفية في حي الهنداوية، وسراج سحاحير في حي الشاطئ، وعبدالله صالح الغامدي في منطقة كيلو 2، وسفيان فطاني في العمارية.

سينما أندية الرياض

وفي الرياض، كان التوجه نحو السينما والإقبال عليها موجودا ومترسخا، إذ كان حجم الحضور كبيرا، ويملأ صالات السينما البدائية في جدة، أو تلك التي كانت توفرها الأندية الرياضية (الهلال والنصر والشباب) فيما بين عامي 1977 و1983.

ويقول مالك «فيديو الذياب» وأحد المسؤولين السابقين عن هذه الصالات: «الإقبال على صالات السينما كان كبيرا، وأصبح من المعتاد أن ترى الصالة وهي ممتلئة عن بكرة أبيها، حتى إنه إذا حدث وخلت الصالة من الجماهير في يوم من الأيام واجهنا سيلاً من المساءلات من إدارة النادي عن نوعية الأفلام التي جئنا بها، وعما إذا كانت قد عرضت من قبل في الأندية الأخرى، أو أن الجمهور قد شاهدها مسبقا. كانت الإدارة تشترط علينا أن نأتي بالجديد دائما من أجل جذب الجمهور، وبالتالي تحقيق المكسب المادي المأمول».

شارع العصارات

هذا الحضور الكثيف للشباب السعودي آنذاك يؤكده أيضا المقربون من المشهد السينمائي الذي كانت تعبق به إحدى صالات مقر نادي الهلال القديم في شارع «العصارات» في حي «الناصرية»، حيث كان الحضور كبيرا، ومربحا بالنسبة لإدارة النادي وبشكل يغطي كل تكاليف العرض، وكانوا يستأجرون أجهزة العرض السينمائي من سوق الأفلام في حي «المربع»، وتواصل ذلك لسنوات امتدت ما بين عامي 1977 و1983.