من الكبائر والجرائم الخلقية التي حذر منها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم شهادة الزور وقول الزور، فقد كان يجالس أصحابه ذات يوم يعلمهم أمور دينهم ودنياهم، فتحدث عن شهادة الزور وقول الزور، وكان متكئاً فجلس تفاعلاً مع عظم وفداحة تلك الجريمة الخلقية، وظل عليه الصلاة والسلام يردد عبارة التحذير من شهادة الزور وقول الزور حتى أشفق عليه أصحابه وغشيهم الخوف، فقال بعضهم: ليته سكت !

وغني عن القول إن هذه الجريمة كانت ولم تزل وسيلة للظلم وأكل حقوق الناس بالباطل والبهتان، والتسبب في أذى وسجن خصوم من يستخدمون شهود الزور خلال تقاضيهم أمام قضاة المحاكم، مع ذلك فإن شهود الزور ما انفكوا يقدمون شهاداتهم لمن يدفع لهم مقابل بيع ذممهم وأماناتهم بثمن بخس، هذا إذا كان لديهم أمانة أو خلق أصلاً، حتى أصبح بعضهم يتخذ من الشهادة مهنة، وأمسوا معروفين بالاسم لدى مكاتب القضاة، مع ذلك فإن شهاداتهم يعتد بها في الفصل في القضايا، وقد تبنى عليها أحكام سجن أو جلد أو دفع مبالغ بلا وجه حق لصالح المدعي، الذي استطاع أن يلحن بحجته وأن يوفر عدداً من شهود الزور ليفوز بكسب القضية، غير مبال بما ارتكبه من آثام وما قطعه لنفسه من قطع النار فهو يلتهمها وقد ملأ قلبه الحبور بما حققه على خصمه من نصر حقير!

وإذا كانت الإمكانيات والأجهزة الحديثة من حاسوب وغيره لم تتوفر من قبل في المحاكم أو غيرها من الإدارات الحكومية، مما يصعب رصد الذين يتخذون الملحمة تقديم الشهادة مهنة لمن يطلبها منهم بما في ذلك شهادة الزور الملتحقة بقول الزور، فإن ما توفر حالياً من أجهزة وشبكات عنكبوتية تجعل مكتب أي قاض قادراً على اكتشاف هذا النوع الرديء من الشهود، بل إن من حق ناظر القضية مطالبتهم بشهادة خلو سوابق تقدم لهم من الشرطة وشهادة تزكية من عمدة الحي، وفي جميع الأحوال فإنه يجب التدقيق في الشهادة نفسها وتوجيه أسئلة قوية ومحددة لكل شاهد على حدة في أي قضية حول ما أدلى به من شهادة، للتأكد مما إذا كانت شهادة حق أم شهادة زور، بل إنه ينبغي فرض عقوبات رادعة وغرامات مالية على أي شاهد زور يثبت للمحكمة وقضاتها أنه صاحب سوابق بعد وأنه حول الشهادة إلى مهنة وقول زور يقدمها لمن يطلبها بمقابل أو حتى بدون مقابل، وإنما من باب التعاون على الإثم والعدوان؛ لأنه لو علم كل شاهد زور أنه سيعاقب على فعلته، لما تجرأ غيره على عرض شهادته للبيع على قارعة الطريق، معيناً بها من استأجره على ظلم الآخرين مادياً أو معنوياً، أما أن تظل شهادات الزور مشرعة وشهود الزور سادرين في غيهم لا يردعهم رادع، فإن ذلك يعني وقوع كثير من المظالم ضد أبرياء وقعوا ضحية شهادة الزور أو قول زور، وهذا وضع لا يحسن السكوت عنه لاسيما أن تصحيحه يسير، فما هو رأي معالي وزير العدل رئيس المجلس الأعلى للقضاء ؟!

mohammed.ahmad568@gmail.com