جسد الفنان الكبير أبو بكر سالم بلفقيه حالة من حالات التداخل الثقافي والاجتماعي الكبيرة والأصيلة بين السعودية واليمن، بل بين جميع دول الخليج واليمن، وهكذا هم المبدعون الكبار في كل مكان في العالم دائما ما يتحركون ببساطة وعفوية ليتجاوزوا - دون انتباه- الحدود التي رسمها السياسيون ويتسللوا إلى قلوب الناس في الأسواق وفي البيوت البعيدة المنسية.

لم يسع يوما للريادة.. كان يحمل أغنيته التي لحنها بنفسه ورسم إيقاعاتها المشاغبة بنفسه، بل وفي أحيان كثيرة كتب كلماتها بنفسه فيشدو بها بين الناس بصوته الاستثنائي ليفاجئ بلونه الغنائي العجيب كل الأنغام في السعودية واليمن ودول الخليج فتتطور الكلمة ويتمرد اللحن في كل مكان.. ويبقى الصوت الأوبرالي العظيم عصيا على المنال رغم كثرة المتأثرين.

كل أغاني أبو بكر تستنهض البراءة الضائعة في خبايا النفوس تهز جدران الذاكرة لتستعيد أزمنة البساطة والجمال.. كل أغانيه: (من نظرتك يا زين).. ( 24 ساعة).. (يا سهران).. (يا مروح بلادك).. (سر حبي).. وغيرها من عشرات الأغاني التي كانت تطير بالعواطف المكبلة بقيود لا حد لها إلى مناطق مجنونة تحرضها على الرقص دون حرج.

ولكن بالنسبة للسعوديين يصعب تخيل تجربة أبو بكر سالم العظيمة والثرية دون المرور بالأغنية الوطنية الخالدة (واصلي) فهي اللوحة التي نثر فيها أبو بكر سالم كل ألوان حبه لوطنه الذي لم يولد فيه، حرص على كتابة الكلمات وصياغة اللحن بنفسه وأنهى المهمة التي كلفه بها وزير الإعلام الراحل الكبير محمد عبده يماني بأقل من 48 ساعة.. وقد يكون تفسير السرعة العجيبة في التحضير لأغنية وطنية عظيمة مثل (واصلي) أن أبو بكر لم يكن يحتاج وقتا ليتدفق حبا وانتماء لهذا الوطن العظيم الذي احتضنه منذ أيام الصبا.. ولذلك كله جاءت (واصلي) مختلفة في كل شيء سواء على صعيد الكلمات أو على صعيد اللحن أو حتى الأداء الذي لا يقدر عليه إلا أبو بكر سالم.. كان الحوار مع الوطن (البلاد) مختلفا ولغة الفخر تلقائية وساحرة وصوت أبو بكر المتموج كالبحر العنيد يهز القلوب هزا ويلهب المشاعر في نفس كل عاشق لهذا الوطن.

رحم الله أبو بكر سالم.. صوتنا الأصيل الذي سنبقى نميزه مهما تعاظمت الضوضاء وامتد الصخب وضاقت المساحات التي تستوعب الحب والبساطة والجمال.

klfhrbe@gmail.com