وعى حسين على الحياة، وحيداً لأمه، ولم يكن يجرؤ على سؤالها عن أبيه، في مطلع يوم دراسي، ألبسته ثوباً جديداً، ووضعت على رأسه قبعة صوف، ولفّت العمامة حول أذنيه. عادت إلى ملّتها، وقلعت قرص المجرفة، المطيّب بالبصل، وحشرته في جيب الثوب الجانبي، وحمّلته شنطته.

الطريق للمدرسة يمر ببيت جارهم حسن، أقرب أطفال القرية لقلبه، تلازما بالأيدي، وانطلقا من المساريب المظللة بعريش من جريد النخل، وكان حسن يعلم أن حسيناً يتيماً، لكنه لا يشعره بذلك، ومن شدة حرصه عليه يظلله بعمامته من المطر، ويدفعه أو يشده كلما مرا بشلالات السربان المصرفة لمياه السقوف.

في الحصة الثانية طرق باب الفصل المدير، ومعه معلم يحمل صندوقا مكتوبا عليه «ادفع ريالاً لتنقذ المسجد الأقصى»، قال المدير: أحضرتم الريال كما أوصيناكم أمس؟ تدافع الطلاب وكل واحد منهم برياله، وضع عشرون طالباً ريالاتهم في الصندوق، عدا واحداً، أخرج قرص البوسن من جيبه، وقال للمدير: باتبرع بفطوري يا أستاذ، صرخ المدير المتعجرف «تتمهزى بي يا ورع»، اطلع برا.

خرج معه رفيقه، والدموع تترقرق في عينيهما، وقال له «انتظر هنا، باروح أجيب البيض العربي للأستاذ «جمال» ونأخذ منه ريال وتساهم به، لم يتأخر في روحته وعاد بزنبيل، فيه أكثر من ثلاثين بيضة. قال الأستاذ «جمال» والله برافو عليك يا حسن، أنته زلمة، وقبضاي، كسر بيضة، وصبها في فمه. قال حسن: الله يجعلها تواك.

بذل محاولات عدة في استخراج الريال من (جمل الليل) كما يطلق عليه، ولم يفلح، ناشده يا أستاذ: المدير بيطق حسين مسكين، والبيض جمعته أمي من جاراتها، دخيلك اعطني الريال. ردّ عليه: والله يا حسن ما إنت زلمة ولا قبضاي، روح العب بعيد يا ولد، شو هاض، طلاب آخر زمن».

عاد حسين للبيت منكسراً، وطول الليل وأمه تحدثه عن استشهاد أبيه دفاعاً عن فلسطين، ما رفع معنوياته. يوم زواج حسين كان المعلم الوافد لا يزال يجمع البيض ويتلقط الدجاج من بيوت القرية، وشاعر العرضة في الميدان يصدح «وبساتين حيفا نكتب النصر في جدرانها». علمي وسلامتكم.

Al_ARobai@