في البداية يجب التذكير بأن للإنسان طبيعتين مختلفتين؛ طبيعة دنيا لاواعية وتتمثل بالأنا البدائية الغرائزية وغرورها النرجسي الأناني الصدامي وهي المشتركة مع الحيوانات، والطبيعة الثانية هي طبيعة عليا فكرية وجدانية أخلاقية روحية ربانية واعية يتفرد بها الإنسان، وبحسب النوازع التي يختار الإنسان اتباعها تصبح شخصيته متطبعة بطبيعتها، فإن اختار اتباع نوازع الطبيعة العليا فسيصبح مثاليا ربانيا.

وإن اختار اتباع أهواء غرور الأنا الطغياني وجشعه وأنانيته وسيكوباتيته وتعصبه وهمجيته الصدامية والذي يمكن رؤيته على سبيل المثال في سلوك الذكر المسيطر بجماعات القرود، فستصبح شخصيته مسيرة بأهواء غرائزية صدامية لاعقلانية يصعب أن يتم التفاوض معها بمنظور عقلاني توفيقي، وأبرز نزعة في الأنا الغرائزية هي نزعة غرورها النرجسي الطغياني الذي يسير الكائن باتجاه إرادة الاستعلاء على الآخرين وفرض الهيمنة والإخضاع عليهم واضطهادهم للاستحواذ بأنانية على موارهم، ولهذا حتى الأخوة من ذات الأب والأم الذين عاشوا مع بعضهم عقودا يأكلون من ذات الطبق عند حضور الإرث يتحولون لأعداء قد تصل عداوتهم لدرجة قتل بعضهم وغالب قضايا المحاكم هذا سببها، فإن كانت هذه النزعة هي سبب الصراع والقتل بين الأشقاء فمن غير المستغرب إذاً ما نراه من صراعات حتى بين أبناء الأمة الواحدة، وبالمثل القرار المستنكر المتكرر وغير الجديد بالإعلان الأمريكي المنفرد أن القدس عاصمة إسرائيل بشكل يخالف وضعها القانوني وفق الأمم المتحدة كأرض محتلة، فالتصادم بين أتباع الديانات الإبراهيمية لا يحصل لأنهم مختلفون بشكل جذري، بل لأن بينهم مشتركات كثيرة، ومنها القدس كالإخوة المتنافسين على إرث واحد مشترك.

وحتى بزمن حكم الأنبياء لأسباط بني إسرائيل في فلسطين حصل انقسام في مملكتهم وحصلت مواجهات بين المملكتين، ونسخة غرور الأنا بالمسيحية هي الصليبية، وباليهودية هي الصهيونية، وبالإسلام هي الإسلاموية، وتتشابه أنماط الحاملين لنسخة غرور الأنا في كل الأديان، وقرار الرئيس الأمريكي هو انحياز لغرور الأنا الصهيوني ومنطلقه هو غرور الأنا ولهذا هو يستفز الكبرياء الجماعي لدى الأطراف المقابلة مما يزيدها حدة وتصعيدا وتخندقا كما يقول قانون الطبيعة «لكل فعل رد فعل مضاد من جنسه»، والحل الذي سينهي الصراع على القدس هو ذاته الذي سينهي كل أنواع الصراعات بالعالم الخاصة والعامة وهو رفع نوعية الوعي والثقافة والعقلية والنفسية الجماعية من مستوى الطبيعة البدائية الغرائزية اللاواعية التي يستبد بها غرور الأنا وشحه وتعصبه إلى مستوى ثقافة الطبيعة العليا الربانية للإنسان، إذ العدل والمساواة والعقلانية ومراعاة شعور وحقوق الآخرين.

bushra.sbe@gmail.com