لم تتوقف محاولات الغرب للسيطرة على القدس، منذ الإمبراطورية الرومانية، وقبلها: أطماع الإسكندر الأكبر التوسعية في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، وأساطير التوراة، وتخرصات «العهد الجديد»، التي ما فتئت تتوالى منذ فتح العرب للقدس (أبريل 637)، كلها ظلت تحاول إخضاع زهرة المدائن لهيمنة الغرب باعتبارها «أيقونة» أطماعه التوسعية في الشرق.. ومهوى تراثه «الأنجلويهودي»، بداية من الحروب الصليبية، وحتى مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين، نهاية أربعينات القرن الماضي.

كانت أحدث محاولات الغرب، ولا نقول آخرها، لتأكيد أطماعه التوسعية في أرض الرسالات وما حولها: إعلان الرئيس الأمريكي، الأسبوع الماضي، اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل. كأن قرار القدس عاصمة لإسرائيل ليس حصرياً عملاً من أعمال السيادة للدولة العبرية، بقدر ما هو قرار «إمبريالي» لواشنطن! لأول مرة في التاريخ يصدر قرار لإنشاء عاصمة لدولة خارج معطيات الدولة في الداخل! دليلٌ صارخٌ على أن إسرائيل كيان مسخ مصطنع، بوصفها رأس حربة للغرب في أكثر الجبهات العصية على سيطرته ونفوذه في العالم، منذ مغامرات الإسكندر الأكبر، وحتى قيام إسرائيل.

هنا تكمن الخطورة التاريخية والإستراتيجية لإعلان القدس عاصمة لإسرائيل. بهذا القرار تتخلى واشنطن عما يبدو أنها اختارته لنفسها، طوال 7 عقود، بأن تكون وسيطاً محايداً مقبولاً من جميع الأطراف، لإحلال السلام في أرض الرسالات. بهذا القرار تكون واشنطن قد أقحمت نفسها في معمعة الصراع مباشرةً، لتصبح طرفاً فيه.. وليست وسيطاً لحله.! لتتحمل واشنطن، إذن تبعات هذا القرار وحدها. حتى حلفاؤها الغربيون تنصلوا منه، كما حذروا من اتخاذه.. وتبرأوا من الإقدام عليه.

وهو سلوك يشبه تماماً سلوك ملوك أوروبا في القرون الوسطى، لغزو المنطقة، بحجة استعادة سيادة «الصليب» عليها، التي انتزعها منهم العرب المسلمون، ليعيدوا مسيرة التاريخ لما قبل التاريخ نفسه. لم يستطع الصليبيون، في العصور الوسطى، على رغم تكرار وشراسة حملاتهم العسكرية، البقاء في فلسطين، وفرض سيطرتهم على القدس. حقيقة وعاها الإنجليز أخيراً.. وطوروا سيناريو بديلا بخلق دولة يهودية في القدس، لعل وعسى أن ينجحوا في ما فشل فيه الصليبيون بقيادة ملوك إنجليز ليكون لهم موطئ قدم في أرض الرسالات يساعدهم حينها في تعزيز عروشهم، في مواجهة السلطة الدينية لبابا الفاتيكان.

من جديد فَشِلَ مشروع سيطرة الغرب بالوكالة على أرض الرسالات، عن طريق إسرائيل، التي أظهرت عجزاً إستراتيجياً، في فرض سيطرتها على فلسطين.. والقدس. وكان الحل أن يقحم الغرب نفسه في ما كان يحركه من وراء ستار، ليحسم معركة القدس.. واستعادة السيطرة على أرض الرسالات، بالتورط مباشرة في إدارة الصراع، كطرف يعتقد، بما يمتلكه من قوة وموارد، أنه قادر على حسم الصراع الديني والحضاري والتاريخي مع العرب المسلمين في فلسطين، والقدس.

واشنطن عندما اتخذت قرارها الخطير الأسبوع الماضي، وقعت في الخطأ التاريخي والإستراتيجي نفسه الذي وقع فيه الصليبيون. وجانبها الصواب في التقدير الخاطئ الذي ارتكبته بريطانيا، حديثاً، وللمصادفة قبل 100 سنة، بإصدار وعد بلفور. من أهم مواضع الخطأ في حسابات واشنطن، التي وقع فيها قبلها الصليبيون أنها لم تسئ فقط تقدير قوة أمريكا الإستراتيجية والمادية لتحمل تكلفة مثل ذلك القرار الخطير.. بل بالغت في سوء تقدير ضعف الطرف الآخر في معادلة الصراع.. والجزم بفقدانه كل مقومات المقاومة والقتال، لدرجة الوهم باستسلامه وضمان خضوعه.. بل حتى توقع مباركته!

لم يع الغرب، إلى الآن، حقيقة أن التاريخ وحركته تجسدا في دخول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، القدس وهو يمسك بخطام بغلته، ويغوص برجليه الحافيتين في الطين ويحمل نعليه على كتفه، بينما مرافقه كان يركبها. كانا يتناوبان امتطاءها، طوال رحلة مسافتها 1400 كيلومتر من المدينة للقدس. هذه اللقطة التاريخية الفاصلة، كانت وستظل هي حُكْم حركة التاريخ الحاسم بفشل محاولات كل الغزاة، الذين تعاقبوا على المدينة المقدسة وما حولها، معتمدين على القوة الغاشمة، تدفعهم أساطير «ميتافيزيقية» متخلفة وأطماع توسعية شيطانية، لافتعال انتكاسات رجعية لمسيرة التاريخ.

التاريخ ودروسه وحركته التقدمية الخيرة تشير إلى فشل محاولات الصليبيين الجدد، في السيطرة على القدس، بل البقاء في فلسطين، تماماً كما فشلت الحملات الصليبية، من ريتشارد قلب الأسد.. وحتى الجنرال اللنبي، مروراً بنابليون بونابرت. إن حركة التاريخ الخيرة، التي تكلأها العناية الإلهية.. ويحدد مصير السلام في بهيةِ المساكن وعد إلهي بنصرة أهل الرباط (الجبارين)، فيها وما حولها. لن يتمكن أعداء السلام، مهما بلغ جبروت قوتهم.. ونفوذ سطوتهم.. وترف ثروتهم، وعنجهية صلفهم، من القدس بأقصاها، حيث معراج سيد الأنام، إلى سدرة المنتهى.

القدس هي مدينة السلام.. لن يهنأ لأعداء السلام والإنسانية مُقَامٌ لهم فيها.

talalbannan@icloud.com