مع من تصالح صالح؟ هذا سؤال.. بالتأكيد لكل واحد منا إجابة مختلفة عليه..

فمنا من يقول تصالح مع ربه.. لذا لقيه بعد ساعات من توبته!

ومنا من يقول تصالح مع نفسه.. وهذا ما بدا واضحا من نبرة صوته في خطابه الأخير وزهده بالرئاسة بل من الدنيا وما فيها!

ومنا من يقول تصالح مع وطنه.. باعترافه بخطئه حين تحالفه مع الحوثي وطلب من اليمنيين عدم إطاعة أوامره!

ومنا من يقول تصالح مع جيرانه.. وفتح صفحة بيضاء وطي صفحة الماضي ومخاطبة الملك سلمان كقائد للتحالف واستعداد رجاله الانخراط تحت لوائه!

لكنه في النهاية ذهب، لا أحد منا يعلم مع من تصالح.. فلا أصحاب يخسرون ولا أعداء يكسبون..!

ذهب ضاحكا.. معتقدا أنه راقص محترف، وشتان بين الرقص والتنطط!

ذهب أول ضحية لمجزرة صنعاء بلا جنازة وبلا نعش يلفه علم اليمن ولا تشييع ولا عزف للسلام الجمهوري!

نسي الناس حكم الـ(33) سنة الماضية..

نسي الناس حلف الـ(3) سنوات الماضية..

نسي الناس غموض الـ(3) أيام الماضية التي سبقت اغتياله..

لن يتذكره أحد بأي شيء «يا لسوء المنقلب»، فلم يحزن عليه أحد ولم يفرح لموته أحد!!

ربما قطر أكثر من فرح بمقتل صالح، وإن كان لا قيمة لمقتله.. فيكفيها زهوا أن اغتياله كان هدفا من أهدافها في الربيع العربي.. لذا شاهدنا جزيرتها هي أول من اهتزت على نغمات «الطنبور» الإيراني على حساب مآتم جارها العربي.. وعادت لأرشيفها لتنفض الغبار عن مستنداتها لتجز صورته من ورقاتها، لكن لسوء حظها لم يتمكن ضابط استخباراتها «المري» هذه المرة من رفع علم قطر على شرفة بيت صالح، كما فعلها عند اغتيال القذافي لتبثه طوال اليوم.. مع أني لا أستبعد مشاركة أحدهم في العملية! لكن قد يكون بحسب فهمي لنفسيات الخونة أن قاتله وجد هذا شرف لا تستحقه قطر.

الشعب اليمني الشقيق بعد مقتل صالح تقدم خطوتين في النفق المظلم.. وهذا لا يعني أنه قبلهُ خارج النفق، وكذلك الحوثي لم يقو ولم يضعف، فموازين القوى من الناحية العسكرية كما هي على الأرض لكن الحسابات الداخلية هي التي اختلفت، فمطالبات الانقسام يعززها مثل هذا الحدث المؤثر باعتباره شأنا داخليا سينشغل به الشماليون طويلا، أما الجنوبيون فيرونه مناسبة للتحلل من الوعد الذي قطعوه للرئيس المغدور «عراب الاندماج»، فكل دوافع الانفصال في وجهة نظرهم متواترة ومتوفرة، فيما دول التحالف المعارضة للانفصال وبخاصة المملكة تسعى لتطهير اليمن من رجس إيران والقضاء على ميليشياتها الحوثية وترميم البيت الداخلي اليمني وجعلها جارة آمنة متطورة، ودولة ذات سيادة مستقلة وتأثير فاعل على المستوى الإقليمي والدولي.

يا يمن:

صالح مات وذهب لملاقاة ربه.. أما أنت ستبقين عربية حرة، كما عرفناك اليوم وعرفك التاريخ بالأمس.. وسيعرفك اللاحقون كذلك إلى قيام الساعة.

dr.jobair@gmail.com