الإساءات الدنيئة التي يوجهها بعض الفلسطينيين للسعودية ورموزها ومواطنيها هذه الأيام، رغم كل ما تبذله المملكة من جهود لخدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية بشكل يتعارض مع مصالحها السياسية والاقتصادية بل ويسبب لها خسائر كبرى في العلاقات الأهم مع الحلفاء حول العالم، تذكرني بحوار دار بيني وبين أحد السعوديين الشرفاء المخلصين الذين جاهدوا بأنفسهم وأموالهم عام 1948 في فلسطين، وهو العم معيض بن موسى الجندبي الزهراني.

انتقل العم معيض إلى الرفيق الأعلى قبل سنوات عدة، لكنني ما زلت أتذكر حديثه وحرقته في ذلك الحوار الذي دار بيننا قبل نحو 18 عاما حول تجربته في الدفاع عن الأقصى، وحكاية ذهابه إلى هناك مشيا على الأقدام الحافية، انطلاقاً من قريته الوادعة في منطقة الباحة.

قال لي العم معيض رحمه الله بحزن حينها «هل تعلم أن بعض الفلسطينيين الذين ذهبنا للدفاع عن قضيتهم بصدورنا العارية أمام الرصاص الإسرائيلي كانوا يعملون لدى الإسرائيليين ويبيعون لهم الغذاء واللباس، وأتذكر أنني كدت أموت من العطش يوما وتوجهت إلى مزرعة أحدهم طالبا بعض الماء، فما كان منه إلا أن طردني دون أن يسقيني قطرة، وهددني بإرشاد اليهود إلى مكاني، بل إن أحدهم أرسل أبناءه ليقذفوني بالحجارة، ما جعلني أحمل ذكرى مؤلمة عن تلك التجربة، وأؤمن من صميم قلبي بأن فلسطين لن تتحرر طالما أن هذه ممارسات فئة من شعبها، وأتمنى أن حالهم تغير اليوم، لأن الأقصى جرح مفتوح في جسد المسلمين جميعا».

اليوم وبعد مرور كل تلك العقود على قصة العم معيض، ومع مشاهد حرق الفلسطينيين للعلم السعودي وصور رموز المملكة بدلا عن العمل على تحرير أرضهم، يحق لنا أن نسأل ما الذي تغير في موقفهم منا نحن السعوديين، الذين حملنا هم قضيتهم منذ عام 1948 وحتى الساعة؟

بالطبع لن تغير المملكة مواقفها المشرفة تجاه قضايا الأمة المصيرية، فالأقصى لكل مسلم وليس لشعب دون آخر، لكنني أرى من وجهة نظر شخصية أن الوقت قد حان للفصل بين «القضية الفلسطينية بكل تعقيداتها» و«المسجد الأقصى» كبقعة مقدسة تخصنا، ويجدر بنا التفكير خارج الصندوق للوصول إلى تسوية تعيده لنا.

لطالما كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في خطاباته وصف السعودية بـ«الوصية على مقدسات المسلمين»، وهي حقيقة تاريخية أرى أنه يجدر الانطلاق منها ودراسة جدوى فتح النقاش مع الأطراف الدولية ذات الصلة للوصول إلى تسوية خاصة بالمسجد الأقصى تحديدا تخول السعودية لخدمته، ولنترك المفاوض الفلسطيني الذي وقع «اتفاق أوسلو» يكمل مسيرته التفاوضية بخصوص الأراضي المحتلة، مع دعمه في ذلك للوصول إلى حل شامل وعادل لقضيته، فربما كان هذا النهج السياسي المفترض الذي غفلنا عنه لأكثر من 70 عاما.

@Hani_DH

gm@mem-sa.com