تلعب الأقدارُ لعبتها مع الرموز. كان هابيلُ رمزاً في عين قابيل فسوّلت النفسُ قتله، وفي أدبيات العرب، الكثير من الشعر والنثر، عن الحظوظ الرديئة للمبدعين مع أقوامهم، بسبب منافسة الأنداد، وحقد الأضداد، وبلغت المنافسة أوجها بين بني أمية وبني هاشم، اللتين تنتميان إلى عمومة واحدة من بطن بني عبد مناف.

وأبو جهل مع قرابته للنبي عليه الصلاة والسلام رفض الإيمان به، ولما سأله الأخنس بن شريق: أترى محمداً يكذب؟ أجاب: ما كذب قط، ولكن إذا كان في بني هاشم السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء لبني مخزوم؟ أو «كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، ورفدوا فرفدنا، حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي، فمن أين لنا ذلك»؟.

لم يكن المتنبي أوفر حظاً من جده الملك الضِّليل امرئ القيس، فالعداء له، والوشاية به كانت على أشدها، حتى نفث بركانه في بيانه مبدياً تعجبه «ماذا لقيتُ من الدنيا وأهونه، أني بما أنا شاكٍ منه محسودُ» و«يا أعدل الناس إلا في معاملتي، فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكم»، والمجتمع العربي يكره رموزه غالباً، ويعنى بتفتيش حياتهم، لرصد مظان الخلل والنقص، وإعلاء شأن المثالب، والسعي الحثيث لإماتة الرمز في حياته.

حقبة الصحوة تحديداً، شهدت تطاولاً على قامات بحجم الراحل غازي القصيبي، وغدا الرجل محل تخوين ونعت بالعمالة، واتهام بالزندقة والسعي لإفساد الدِّين، ورددنا ذلك على منابر الجمعة، وفي الندوات والمحاضرات، واكتشفنا لاحقاً أن القصيبي من أنظف الناس قلباً ويداً وعطاءً، بل هو أنظف بمراحل ممن نعتوه باطلاً وزوراً بما ليس فيه. إلا أنها منافسة الحزبيين الذين لا يهدأ لهم بال إلا بإماتة منافسهم على الشعبية من الرموز، بناءً على فتاوى رموزهم الموتى.

وإذا كانت الأسرة، والعائلة، والقبيلة، والمنطقة والحزب مؤججة حقد على الرمز، فمن أين له الركن الشديد الذي يأوي إليه؟،. بالأمس ذكّرني الرائد محمد القشعمي برفض أدبي الباحة منذ 20 عاماً، تكريم الروائي عبدالعزيز مشري، فقلت له: لعله لم يكن الرفض بسبب حداثته، أو لاختراق الأيديولوجيا مجلس الإدارة، وإنما هو تنافس الأقران، فكل قروي يشوف نفسه أحسن الناس، ويرفض الرمز الحي، بينما كل مقولاته ونقولاته عن رمزه الميت.

Al_ARobai@