هذه الكلمة الجميلة ذات اللفظ الفكاهي تحمل العديد من المعاني، وأحدها هو العصا الغليظة الثقيلة. والمعنى المقصود في هذا المقال هو ما يصعب تحريكه... وفي الحجاز كانت الكلمة تستخدم أيام زمان لوصف الشخص الذي لا يحب الحركة، ولا الإنجاز. فعند وصف شخص ما بصفة «القطلة»، فمعناها أنه يمارس الكسل في أقوى أدواره. وأحد فنون الكسل هي «التنبلة».. وأعتقد أن الكلمة تستخدم في اللغتين التركية والفارسية. ولها أصولها حول العالم مهما اختلفت الظروف، ولها متطلبات تشمل تجهيز البيئة الخصبة لها، وفي مقدمتها الأعذار الوجيهة المقنعة لعدم الحركة. ولكن قبل الخوض في هذا الجانب الحساس، أود أن نذهب في مشوار إلى عالم الملاحة «العويصة»، أي تلك التي تتطلب تحديد المواقع بدقة تحت ظروف صعبة، وتلك التي تخدمها خصائص «القطلة». وربما كان أفضل الأمثلة في عالم الصواريخ. كانت أجهزة التحكم والملاحة الفضائية تحتاج إلى دقة عالية تعتمد على استخدام مبدأ القصور الذاتي inertia لإيجاد حالة من الثبات، ولذا سميت أجهزة الملاحة Inertial Navigation Systems INS. وكانت تتطلب أن يكون هناك مصدر لثبات نظام التوجيه لكي لا يتأثر بميلان الصاروخ على أي من محاور حركته. ولذا، كانت تثبت منصة بداخل الصاروخ لتقاوم أي حركة تبعده عن مساره... يعني يمكننا بكل ثقة أن ندعي أن أساس أنظمة ملاحة الصواريخ كانت «التنبلة» أو مقاومة الحركة باستثناء ما يصدر من نظام التوجيه. ومن عالم الصواريخ ننتقل إلى عالم الطائرات، وخصوصا في عقد السبعينات الميلادية في القرن الماضي، عندما بدأت تنشط رحلات عبور المحيطات والتي كانت تفتقد لمحطات الملاحة الأرضية. وكانت الطائرات تحمل ضمن طاقمها ملاحا جويا تتطلب وظيفته أن يحدد موقع الطائرة بدقة شاملة باستخدام العديد من الوسائل شاملة أجهزة الراديو، واستخدام مواقع النجوم. وبعد ذلك تطورت التقنيات لتنتقل نقلة جبارة من خلال التطورات في تقنيات الأقمار الصناعية التي ساهمت في توفير منصات دقيقة وآنية لتحديد المواقع بدقة. وكان مبدأ «القصور الذاتي» أي مقاومة الحركة هو العامل المشترك المستمر لأنه كان يوفر الأرضية الثابتة التي لا تتأثر بحركة الطائرة.

ولكن موضوعنا الأساس ليس عن الصواريخ، والطائرات، والأقمار الصناعية، فهو هنا على الأرض. لاحظ كمية المخلوقات التي تمارس التنبلة بأشكالها وأنواعها المختلفة. في عالم القطط مثلا ستجد فنون الكسل في أقوى أدواره بالذات لدى العراري (ذكور القطط) لو توفر لهم الغذاء، أو لو توفرت لهم حاوية نفايات مفتوحة أعزكم الله. وفي عالم الحشرات أيضا ستجد أنه حتى بعض الحشرات التي تتمتع بسمعة رائعة في مجال النشاط، تقضي نسبة كبيرة من وقتها في السكون التام، وخير مثال على ذلك هو النحل.

أمنيـــة

القطلة هي إحدى الانعكاسات لأحد أخطر أنواع التنبلة، وقد تطورت فنونها بطرق إبداعية فأصبحت لا تظهر علاماتها إلا في النادر. أدعو الله أن يقينا شرورها، لأن الفترة القادمة في تطور الوطن لا تحتمل هذا التقصير. وكان الله في عون الجميع، وهو من وراء القصد.