أمر «بدبي» قادماً من «كنساس سيتي» في طريق عودتي «لجدة» أودع نصفي في «كنساس سيتي» وأذهب مع نصفي الآخر إلى «دبي» الشمس والمعرفة أفراحي في هذه الصحراء التي تستعصي علي الوصف «دبي» بسيطة إنجاز بعض الأعمال والتنزه وتناول أقداح من الشاي.. مزيج من خلطة أعشاب خضراء ورحيق أشجار التفاح وألوان القمر والاسترخاء في قيلولة الظهيرة وشراء كتب.. وفي الليل أعود بكل كسلي المتثاقل إلى حجرتي مع الكتب.. كانت مصادفة جميلة أن أجد في «دبي» كتاباً استرعى انتباهي عنوانه «مريض لن أنساه» الكاتب هو الدكتور «نافع الياسي» طبيب أطفال إماراتي فنان يعزف كقائد أوركسترا لحنا إنسانياً على حنايا القلب معطرا بمفردات تجاربه.. يستخدم الكلمات وظلالها ببراعة فائقة.. الكتاب يشبه حدائق «دبي» أو فللها البيضاء بكل أشجارها ونخيلها وزهورها الموسمية.. يبدأ سرده المتين منذ أن كان طالبا وبإحساس رشيق يلامس به تخوم الروح ويحلق في فضاء تلك العلاقة الإنسانية بين الطبيب الذي كاد أن يتخلى عن حلم حياته نتيجة نصيحة مظلمة من طبيب بائس ممن يعتقدون أن ابتلاع الريق أمر صعب.. وهذا ما حدث للدكتور «نافع» في بداية حياته إلا أن طموحه روض المستحيل.. ولكم من طالب تلاشت أحلامه واحتضر طموحه بسبب نصيحة خرقاء.. ومرضى فضل الدكتور تغيير أسمائهم الحقيقية للحفاظ علي خصوصياتهم.. بعض القصص قديمة يسكب فوقها الدكتور «نافع» دواء سحرياً فيجعلها حية نعيش معها ومعه.. بعضها تقرأها وكأنك تتذوق معقود سفرجل بالسكر وأخرى تجعلك تغوص في حزن عميق وتذرف الدمع وهذه واحدة منها اختصرها لكم. يقول الدكتور «نافع» إنه كان يصاحب أحد الجراحين لتنظيف تقرحات قدم سيدة عجوز مصابة بالسكر.. لفت انتباهه على باب الحجرة عبارة كتبت على ورقة بيضاء بخط اليد «الرجاء عدم إخبار الوالدة بموضوع راشد» كان يتساءل وهو يراقب الجراح يباشر تنظيف القروح، من هو راشد وماذا حل به؟ كانت العجوز تتألم وتطلب من الجراح أن يتوقف، عندها قرر الدكتور «نافع» أن يشتت انتباه العجوز نحو شيء آخر يساعدها على نسيان الألم نوعا ما.. ولم يجد أفضل من الحديث عن الماضي.. أخذ يستدرج العجوز عن إن كانت من الديرة لتجيبه أنها من «الفريج» واستمرت تشرح له كيف كانت الأحوال قبل النفط وكيف كان رزق البشر من البحر وكيف ورث زوجها مهنة تجارة استيراد الخشب من زنجبار بعد أن مات عمها تقصد أبا الزوج وكيف كان يغيب بالشهور وهي تتحمل وحيدة مسؤولية البيت والأولاد وأنهت حديثها بويلات الحرب العالمية الثانية وكيف كان زوجها قد أخذ على عاتقه إعانة الجيران وكيف كان عندما يقترب مركبه تسمع صوت الرجال يهتفون «محمل راشد عاد.. وصل محمل الخير» أدرك الدكتور «نافع» أن «راشد» هو زوج العجوز ولكن ماذا حل به لتوضح له الممرضة أن راشد توفي منذ ثلاثة أيام وأن ارتفاع السكر لدى العجوز والخوف من تدهور حالتها ونتيجة للحب الكبير بين الزوج والزوجة قرر الأبناء عدم إبلاغها بالخبر!! هذه إحدى القصص والتي تتعاقب في الكتاب كزهرة إثر زهرة.. عشبة إثر عشبة في أفق لا نهائي في حديقة كأنها ثمار السماء.. ما إن فرغت من الكتاب حتى قررت أن أبتاع نسخة أخرى أهديها لصديقي الحميم وزميل مشوار الدرب البرفسور الدكتور «حسان صلاح عبدالجبار» والذي طالما أسمعني كثيراً أنه سيكون له كتاب مشابه وكلما أذكره بذلك يمرر يده «أبو أحمد» على شعره الأبيض ثم ينزلها على كتفه ويتظاهر بأنه يسعل حتى الاختناق.. ثم يبدأ بعد تناول بعض الماء في سرد نكته الطازجة والحكايات الغريبة ليفلت من يدي ونغوص في ضحك غير مبال ثم يعود إلى برج الصمت الأبيض.. اليوم وأنا أهدي «أبو أحمد» كتاب الدكتور «نافع الياسي» في محاولة أن يكون الحجر الذي يحرك بحيرته الساكنة ويلهب حماسه أتمنى من كل قلبي أن يتفرغ لهذا العمل.. فالبرفسور حسان بغض النظر عن قامته الأكاديمية والطبية والتي ترتفع إلى أعلى بطول مئذنة وقعر تجارب تلامس أرض البحر الأحمر بحيث أصبح في مصاف العلماء الشوامخ في جبين الدنيا.. إلا أنه أثبت أيضاً من خلال ما يكتبه أن له رائحة حبر قلم تفوح منه رائحة الزهور والتي تملأ مقالاته بعبير أثيري.. ولقد تبللت أيامه في أروقة المستشفيات وغرف العمليات بقطرات كبيرة لو جمعت لكونت شلالا من القصص الإنسانية الفريدة والمؤثرة «فأبو أحمد» لديه الكثير مما يقوله عن آلام النساء وقلقهن وصبرهن وعاصر الحزن في عيونهن والفرح على جباههن.. واد عميق من التجارب من الظلم أن تترك شجرة مهجورة في البراري.. افتح حديقتك للزوار «يا أبو أحمد» فنحن في أمس الحاجة اليوم إلى المزيد من المنجزات الثقافية السعودية الإنسانية الثرية الحفر والتي تؤثر فينا حقاً وتنمي الوعي الشعبي.. فالواجب الوحيد المترتب علينا تجاه الأجيال هو إعادة كتابة ما فعلناه تجاه مرضانا !

fouad5azab@gmail.com