نخرج من منازلنا ضحى الجمعة قاصدين الجوامع لسماع الخطب وأداء الصلاة، في كل منا شحناته السالبة التي لا حصر لها. بعض الخطباء أشبه بمعالج نفسي. يستل منك سخائم العنت والمشقة، وبعضهم يوترّك ويستفزك، وكأنما أنت أمام برنامج تلفزيوني يقدمه شخص غثيث، البعض يشعرك أنك خصمه، ينظر إليك من علٍ فيستشعر أنه الأعلى، فيتوعد ويتهدد ويرغي ويزبد، وتتوقع أنه سينزل ممتشقاً سيفاً ليصفي الحسابات، فيما يضعك البعض موضع حبيبه، وكأنك أعلى فيستدرجك إلى روحانية ونقاء وحديث روح يرتقي بالأفئدة إلى عنان الرحمات.

أتابع بإعجاب بعض الخطابات الوعظية الراقية، لخطباء شتى، وأذهب لأفتش عن سيرة الخطيب الواعظ فأجد له من العلم والحلم وحسن الخلق والحُبِّ للناس ما يعزز في داخله جانب الإشفاق على المذنبين، والتفاني لاستقطاب المقصرين، والتفاعل والإعجاب والإشادة بالطيبين، ما يحقق بالجمعة أهدافها من غسل أدران أسبوع بكامله.

ربما انشغلنا لعقود طويلة بنقد تاريخ وجغرافية وإنسان الحضارة الغربية، واستمات بعضنا للنيل منها، وإصابتها في مقتل، ونَعْتَهَا بغير إنسانية، إلا أننا نسينا نقد تاريخنا، وظهرت بعد عقود أيضاً أن خطاباتنا مليئة بالأخطاء والتجاوزات التي كنا نلصقها بالآخرين، وليس عيباً أن نعترف أن الغرب تعافى من أمراض الخطابات والأفكار بسبب نقده لها، وبقسوة أحياناً، وتصدّى لكل ما هو خالٍ من إنسانية، وأعلى شأن الخطاب المؤنسن، وإن مارس الساسة سياسية غير أخلاقية ولا إنسانية.

المنبر الوعظي، خصوصاً منبر الجمعة لا يصلح أن يكون لممارسة السلطة، ويفسد كلام الخطيب عندما يتحول إلى سلطاني مهمته إملاء الشروط، وتحديد الطلبات، ونثر عبارات الوعيد والتهديدات، بل ربما شعرتُ وشَعُر غيري أن بعض الخطباء كأنما هو يملي تعليماته على الله (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً )، فهو يريد إهلاك هذا، وتدمير ذاك، وإبادة أولئك، وهذا يتنافى مع منبر رحمة وهداية اعتلاه رسول الرحمة عليه السلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

نحن في شهر ربيع الأنور، الذي يصادف ذكرى مولده عليه السلام، وفي ظل توجه حكومتنا إلى إلجام خطاب التطرف فإن وزارة الشؤون الإسلامية مسؤولة عن معالجة أمراض منبر الجمعة. راجعت كتب السير ووجدت أن منبر النبي عليه الصلاة والسلام لم يزد عن ذراع.

Al_ARobai@