«عكاظ» (جدة)

فريدمان: «MBS» يقود ربيعاً سعودياً .. و«الأحمق» من لا يقف في صفه



خرج الصحافي الأمريكي توماس فريدمان بعد أربع ساعات من لقائه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الرياض بانطباع مفاده أن المملكة تعيش ربيعاً ناجحاً، وأن «الأحمق» من لا يقف في صف الربيع السعودي. ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل لقاء الأمير محمد بن سلمان والذي يرمز لاسمه في أوساط الصحافة الغربية بـ«MBS»، وشبه الأمير محمد بن سلمان خامنئي بـ«هتلر جديد في الشرق الأوسط»، فيما كشف عن قبول %95 من المشتبه بهم في قضايا الفساد بالتسوية بعد مواجهتهم بنتائج التحقيق التي بدأ جمعها قبل عامين، فيما استطاع %1 إثبات براءتهم، وفضل %4 اللجوء إلى المحكمة. وعزا فشل الحكومة في حروبها المتعاقبة على الفساد سابقاً إلى أن جميع تلك الحملات بدأت من الأسفل إلى الأعلى.

وأشاد ولي العهد بالرئيس ترمب، واصفاً إياه بـ«الرجل المناسب في الوقت المناسب».

ورفض الأمير محمد بن سلمان القول بـ«إعادة تفسير الإسلام»، مؤكداً أنهم يعملون على إعادة الإسلام إلى أصوله. واستشهد بزمن النبي محمد «كان هناك الرجال والنساء يتواجدون سويا، وكان هناك احترام للمسيحيين واليهود في الجزيرة العربية».

وقال فريدمان في مقالته المنشورة أمس إنه لم يخطر بباله قط أنه سيعيش بما فيه الكفاية ليشهد اليوم الذي يتسنى لي فيه كتابة الجملة التالية: تشهد السعودية اليوم عملية الإصلاح الأكثر أهميةً مقارنةً بأي بُقعةٍ من بقاع الشرق الأوسط. نعم، فأنتم تقرؤون ما كتبتهُ بشكلٍ صحيح. ورغم أني جئت للسعودية أثناء بداية فصل الشتاء فيها، إلا أني قد وجدت البلاد تمُر بربيعها العربي، على النمط السعودي. «عكاظ» تنشر مقتطفات من مقالة فريدمان عن لقائه، فإلى نص المقالة:

على خلاف أي ربيعٍ عربي في مختلف البلدان الأخرى - التي ظهرت جميعُها من الطبقة الأدنى إلى الأعلى وفشلت بشكلٍ فادح، ما عدا ذلك الذي حدث في تونس - يقود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان البالغ من العمر 32 عاماً حركة الربيع العربي هذه بدءاً بعلية القوم ونزولاً إلى من دونهم من الأعلى إلى الأدنى، وفي حال أتت ثمارها، فإنها لن تقلب موازين السعودية فحسب، بل إنها ستغير أيضاً معنى ومفهوم الإسلام في جميع أرجاء العالم، والأحمق فقط هو من لا يقف في صف هذه الحركة.

ولكي أتمكن من فهم المسألة بشكلٍ أفضل، توجهت مسافراً إلى الرياض لمُقابلة ولي العهد، الذي يعرف عادةً بـ«MBS» والذي لم يتطرق أبدا للأحداث الاستثنائية التي حصلت هُنا في مطلع شهر نوفمبر، حينما قامت حكومته بإلقاء القبض على عشرات الأمراء ورجال الأعمال السعوديين بتُهمٍ تتعلق بالفساد، ومن ثم وضعهم في سجنٍ فاخرٍ مؤقت - فندق الريتز كارلتون - إلى حين أن يوافقوا على تسليم مكاسبهم غير المشروعة. وإنهُ لمن النادر جدًا أن نشهد مثل هذا الحدث.

ولقد التقينا مساءً في قصر عائلته ذي جُدران الطوب في حي العوجا شمال الرياض. وقد كان «إم بي إس» يتحدث باللغة الإنجليزية، في حين شارك أخاه الأمير خالد - سفير السعودية الجديد لدى الولايات المتحدة - وعددًا من كبار الوزراء أطباقًا مُختلفة من لحم الضأن وأضافوا للحديث رونقًا خاصًا. وبعد أن قضينا أربع ساعاتٍ سوية، استسلمتُ عند الساعة 1:15 صباحًا لعنفوان شباب الأمير محمد بن سلمان - ويجدر الذكر بأن عُمري ضعف عُمره. ومع ذلك، فقد مر وقتٌ طويلٌ جداً منذ أن تكلم معي أي زعيمٍ عربيٍ بسيلٍ عارمٍ من الأفكار الكبيرة التي ترمي إلى إحداث نقلةٍ في بلاده.

«الريتز وحملة مكافحة الفساد»

ولقد بدأنا بتوجيه السؤال الواضح، ألا وهو: ما الذي يحدثُ في فندق الريتز؟ وهل كانت هذه هي لعبة السُلطة الخاصة به التي يهدف من خلالها إلى إزالة مُنافسيه من أعضاء عائلته ومن القطاعات الخاصة قبل أن يُمركز والده الملك سلمان، مقاليد السُلطة في المملكة بين يدي الأمير محمد؟

قال: «إنهُ لأمرٌ مُضحك»، أن تقول بأن حملة مكافحة الفساد هذه كانت وسيلةً لانتزاع السُلطة. وأشار إلى أن الأعضاء البارزين من الأشخاص المُحتجزين في الريتز قد أعلنوا مُسبقاً بيعتهم له ودعمهم لإصلاحاته، وأن «الغالبية العُظمى من أفراد العائلة الحاكمة» تقفُ في صفه. وأضاف: «هذا ما حدث، فلطالما عانت دولتنا من الفساد منذ الثمانينات حتى يومنا هذا. وتقول تقديرات خُبرائنا إن ما يُقارب 10% من الإنفاق الحكومي كان قد تعرض للاختلاس في العام الماضي بواسطة الفساد، من قبل كلتا الطبقتين: العُليا والكادحة. وعلى مر السنين، كانت الحكومة قد شنت أكثر من «حربٍ على الفساد» ولكنها فشلت جميعًا. لماذا؟ لأن جميع تلك الحملات بدأت عند الطبقة الكادحة صعودًا إلى غيرها من الطبقات المرموقة.

عزيمة ملك

ولذلك، فإنهُ عندما أعتلى والده - الذي لم يسبق وأن أُشتبه به بتهم تتعلق بالفساد على مر العقود الخمسة التي كان فيها أميراً لمدينة الرياض - سُدة العرش في العام 2015م (في الوقت الذي كانت أسعار النفط فيه مُنخفضة)، قام بقطع عهد على نفسه بوضع حدٍ لهذا كُله، وقال إم بي إس: «رأى والدي أنهُ ليس من المُمكن أن نبقى ضمن «مجموعة العشرين» في حين تنموُ بلادنا بهذا المُستوى من الفساد. ففي وقتٍ سابق من العام 2015 كانت أول الأوامر التي أعطاها والدي لفريقه هي جمع كل البيانات المُتعلقة بالفساد عند الطبقة العُليا. ولقد ظل الفريق يعمل لمدة عامين كاملين حتى توصلوا لجمع هذه المعلومات الأكثر دقةً، ومن ثم جاءوا بنحو 200 اسم».

وعندما كانت جميع البيانات جاهزة، اتخذ النائب العام سعود المعجب، الإجراءات اللازمة، وقال محمد بن سلمان، موضحًا أن كل من اُشتبه به سواءً كان من أصحاب المليارات أو أميراً فقد تم القبض عليه ووضعه أمام خيارين، لقد أريناهم جميع الملفات التي بحوزتنا وبمُجرد أن اطلعوا عليها، وافق ما نسبته 95% منهم على التسويات، الأمر الذي يعني أن عليهم دفع مبالغ مادية أو وضع أسهم من شركاتهم في وزارة المالية السعودية.

وأضاف: استطاع ما نسبته 1% من المُشتبه بهم إثبات براءتهم، وقد تم إسقاط التهم الموجهة لهم في حينها. وقرابة 4% قالوا إنهم لم يشاركوا في أعمال فساد ويُطالب مُحاموهم باللجوء إلى المحكمة. ويُعتبر النائب العام، بموجب القانون السعودي، مُستقلًا. فلا يمكننا التدخل في عمله - ولا أحد سوى الملك يستطيع إقصاءه-، ولكنه هو من يقود العملية الآن... ولدينا خُبراء من شأنهم ضمان عدم إفلاس أي شركة جراء هذه العملية، وذلك لتجنب إحداث أي عطالة.

وجهتُ سؤالاً قُلت فيه: كم من المال سيُعيدون إليكم؟

قال الأمير محمد بن سلمان إن النائب العالم يقول إنهُ من الممكن في نهاية المطاف أن يكون المبلغ نحو 100 مليار دولار أمريكي من مردود التسويات.

وأضاف، ليس هُنالك من طريقةٍ يمكن من خلالها القضاء على الفساد في جميع الطبقات؛ لذلك فإنهُ عليك أن تُرسل إشارة، والإشارةُ التي سيأخذها الجميع بجدية هي «أنك لن تنجو بفعلتك». ولقد شهدنا تأثيرها بالفعل وما زلنا نشهده، وضرب مثالاً ما قاله أحدهم في مواقع التواصل الاجتماعي: اتصلتُ بوسيطي لإنهاء معاملاتي المعلقة بالحكومة ولكنه لا يجيب على اتصالاتي. ولم تتم مُقاضاة رجال الأعمال السعوديين الذين يدفعون الرشاوى لإنجاز مصالحهم الشرعية من قبل البيروقراطيين الذين قاموا بابتزازهم، وأوضح «إم بي إس» قائلًا: أولئك (الذين تم القبض عليهم) -هم من اجتثوا أموال الحكومة - من خلال رفعهم للأسعار وحصولهم على الرشاوى.

حملة مكافحة الفساد هذه ليست سوى ثاني أكثر المُبادرات غير الاعتيادية والمُهمة التي شنها الأمير محمد بن سلمان. فقد كانت المُبادرة الأولى ترمي إلى إعادة الإسلام السعودي إلى أصوله الأكثر انفتاحاً واعتدالاً - والذي تم تحريفهُ في عام 1979. وهذا هو ما وصفه الأمير محمد بن سلمان في المؤتمر العالمي للاستثمار الذي عُقد أخيراً هُنا في الرياض على أنه إسلام معتدل ومتوازن، ينفتح بدوره للعالم وللديانات الأُخرى ولجميع التقاليد والشُعوب.

إن محمد بن سلمان في مهمةٍ لإعادة الإسلام السعودي إلى الاعتدال، إذ إنه لم يكتفِ بكبح تجاوزات سلطة الشرطة الدينية السعودية فحسب - التي كانت تبث الرعب في النفوس سابقًا - وعرفت بتمكنها وقدرتها على توبيخ النساء، بل إنه سمح للنساء بالقيادة. وعلى النقيض من أي زعيمٍ سعودي قد سبقه، فإن الأمير محمد واجه المتشددين أيديولوجياً. إذ أخبرتني امرأة سعودية تبلغ من العمر 28 عامًا قد تلقت تعليمها في الولايات المتحدة: محمد بن سلمان «يستخدم لغة مختلفة، إذ إنه يقول سندمر التطرف، ولا يستخدم عبارات لطيفة، ويبعث هذا الأمر الطمأنينة في صدري بأن التغيير حقيقي».

إعادة الإسلام إلى أصوله

إن هذا حقًا لصحيح، إذ طلب مني محمد بن سلمان قائلاً: «لا نقول إننا نعمل على إعادة تفسير الإسلام - بل نحن نعمل على إعادة الإسلام لأصوله-، وأن سنة النبي محمد هي أهم أدواتنا، فضلا عن الحياة اليومية في السعودية قبل عام 1979م». وذكر الأمير ابن سلمان أنه في زمن النبي محمد، كان هناك الرجال والنساء يتواجدون سوياً، وكان هناك احترام للمسيحيين واليهود في الجزيرة العربية. كما أوضح قائلاً: لقد كان قاضي التجارة في سوق المدينة المنورة امرأة!. وتساءل الأمير قائلًا: إذا كان خليفة النبي (عمر) قد رحب بكل ذلك، فهل يقصدون أنه لم يكن مسلمًا؟!. وبعد ذلك، قام أحد وزرائه بإخراج هاتفه النقال، فأطلعني على صورٍ ومشاهد فيديو للسعودية في الخمسينات الميلادية من موقع يوتيوب - فيها صور لنساء أجانب بلباسهن المعتاد ويرتدين الفساتين الضافية ويمشين مع الرجال في الأماكن العامة، فضلا عن الحفلات الغنائية ودور السينما. لقد كانت مكاناً تقليدياً ومعتدلاً، ولم تكن مكاناً يُمنع فيه الترفيه؛ غير أن هذا تغيّر بعد عام 1979.

وإذا ما تمكنت السعودية من معالجة فيروس التطرف الإسلامي الذي يُعادي تعدد الآراء ويكن الكره للنساء -الذي تفشى بعد عام 1979- فإنها ستتمكن من نشر الاعتدال في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ومن المؤكد أن ذلك سيكون موضع ترحيب في السعودية التي يُشكل الشباب فيها تحت سن 30 عامًا ما نسبته 65% من السكان.

ومن جانبه، فقد أوضح وزير التعليم السعودي أنه يعمل على مجموعة واسعة من الإصلاحات التعليمية التي تشمل تغيير وتحويل جميع الكتب المدرسية إلى كتب رقمية، وإرسال 1700 معلم سعودي سنويًا إلى المدارس العالمية في أماكن مثل فنلندا بغية تطوير مهاراتهم، والإعلان عن أن الفتيات السعوديات سيحظين بحصصِ التربية البدنية للمرة الأولى في المدارس الحكومية، وإدخال ساعة إضافية في اليوم الدراسي في المدارس السعودية للأطفال بغية تمكينهم من اكتشاف شغفهم في العلوم والقضايا الاجتماعية من خلال عملهم على مشاريعهم الخاصة التي ستكون تحت إشراف المعلمين.

أما ما يخص جانب السياسة الخارجية، فأصر محمد بن سلمان عند تناوله موضوع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري؛ بمجيئه إلى السعودية وإعلانه استقالته، ببساطة على أن خلاصة القضية تتمحور حول أن الحريري، وهو مسلمٌ سني، لن يستمر في توفير غطاء سياسي للحكومة اللبنانية التي تخضع بشكل رئيس لسيطرة ميليشيا حزب الله، التي بدورها تخضع لسيطرة طهران.

كما شدد على أن الشرعية اليمنية تُسيطر الآن على 85% من الأراضي اليمنية، إلا أن قيام المتمردين الحوثيين الموالين لإيران - الذين يُسيطرون على بقية أراضي البلاد - بإطلاق صاروخ على مطار الرياض «يعني أنه إذ لم يتم السيطرة على كامل البلاد، فإن ذلك سيُمثل مشكلةً».

بدا لي أن وجهة نظره العامة تنص على أنه بدعم من إدارة ترمب - لقد أشاد بالرئيس ترمب، إذ وصفه بــ «الرجل المناسب في الوقت المناسب»- فإن السعوديين وحلفاءهم العرب يعملون ببطء على بناء تحالفٍ للتصدي لإيران.

قال لي محمد بن سلمان: «إن المرشد الأعلى (الإيراني) هو هتلر جديد في منطقة الشرق الأوسط». وأضاف قائلاً: «غير أننا تعلمنا من أوروبا أن الاسترضاء في مثل هذه الحالة لن ينجح. ولا نريد أن يُكرر هتلر الجديد في إيران ما حدث في أوروبا (هنا) في الشرق الأوسط». وشدد على أن كل شيء تفعله السعودية محلياً يهدف لبناء قوتها واقتصادها.

في عجلة من أمري

للأسف، تضم هوية السعودية أيضا مجموعة كبيرة من السعوديين الأكبر سنّاً يغلب عليهم الطابع التقليدي، مما يعني أن نقل السعودية للقرن الواحد والعشرين يُشكل تحديًا. وهذا الأمر يُعد السبب جزئيًا وراء عمل كل بيروقراطي رفيع لساعات طويلة جدًا. إذ إنهم يُدركون أن محمد بن سلمان قد يتصل بهم في أي وقتٍ من تلك الساعات لمعرفة ما إذ كان طلبه يتم العمل على إنجازه. وقد أخبرته بأن عادات العمل الخاصة به تُذكرني بنص ورد في مسرحية «هاملتون»، عندما يتساءل الجوقة قائلاً: لماذا يعمل دومًا كأن «الوقت يُداهمه». فأوضح محمد بن سلمان قائلاً: «لأنني أخشى أنه في يوم وفاتي، سأموت دون أن أحقق ما يدور في ذهني. إن الحياة قصيرة جدًا، وقد تحدث الكثير من الأمور، كما أنني حريص جداً على مشاهدته بأم عيني، ولهذا السبب أنا في عجلة من أمري».