في كل صباح ينشد ملايين التلاميذ على امتداد خريطة الوطن: «سارعي للمجد والعلياء» وهم مثل كل التلاميذ في مختلف دول العالم يندر أن يعرفوا اسم الشاعر الذي وضع كلمات النشيد ولكنهم يشعرون بوجوده معهم، يكبرون وتكبر كلماته معهم وتتضح معانيها مع مرور السنين ويعرفون اسم الشاعر في وقت متأخر ولكنهم سرعان ما ينسون الاسم ربما لأنهم يشعرون بأنهم يعرفونه بما فيه الكفاية إلى درجة أنهم لا يحتاجون أن ينادوه باسم مثل بقية الشعراء، إنه ذاك الذي صاحبهم منذ الطفولة يتلعثمون في نطق بعض كلماته ويتخيلون تفسيرات مختلفة لمعانيها فلا يرى بأسا في ذلك، شاعر النشيد الوطني هو الشاعر الوحيد الذي لا يستطيع أن يقول إن قصيدته ملكه بل هي ملك كل الناس صغارا كانوا أم كبارا يحبون الشعر أو يكرهونه، هو صاحب الصوت القديم الذي يطرق نوافذ الروح منذ الطفولة حتى آخر سنوات العمر.

ولأن لكل نشيد وطني قصة عجيبة فقد كان السلام الملكي السعودي يتألف من لحن موسيقي دون كلمات وهذا ما لاحظه الملك خالد أثناء زيارته لمصر فوقع الاختيار على الشاعر الغنائي العذب إبراهيم خفاجي الذي وجد نفسه في مهمة صعبة لا تتشابه مع أسلوبه الشعري العفوي الشعبي، فهو أولا محكوم بلحن موسيقي ثابت سوف يركب عليه الكلمات تركيبا دقيقا تتداخل فيه بحور الشعر بصورة معقدة، وهو ثانيا أمام تصور محدد لمضمون الكلمات والمعاني التي يجب عليها أن تكون متوافقة مع ذلك كله، وهذا ما يفسر أنه احتاج ستة أشهر ليكتب كلمات النشيد الذي لم يظهر بشكله الكامل إلا في عهد الملك فهد.

وما من شك أن النشيد الوطني هو أهم أعمال خفاجي، ولكن ثمة خفاجي آخر يعرفه الناس وهو خفاجي شاعر الحب والرومانسية الذي يعد دون شك أحد أهم رواد الأغنية السعودية الذي تغنى بكلماته طارق عبدالحكيم وطلال مداح ومحمد عبده وعبدالمجيد عبدالله وغيرهم، كما غنى له من المطربين العرب وديع الصافي وصباح وهيام يونس وسميرة توفيق ومحمد قنديل، ولعلنا اليوم في أمس الحاجة إلى لون ومستوى إبراهيم خفاجي في كتابة الأغنية السعودية التي أصبحت كلماتها تتراقص بين نار التكلف وثلج التسطيح.

وسيرة حياة خفاجي الذي توفي عن عمر يفوق التسعين عاما تلخص لك مسيرة وطن عاش تحولات لا أول لها ولا آخر، وقد عدت إلى حوار نشرته «عكاظ» معه قبل أحد عشر عاما، حيث بادر محاوره الزميل فالح الذبياني بسؤال: «ما الذي يريده صحفي من رجل بلغ الثمانين من العمر؟»، وقرأت ذكريات الخفاجي ابن مكة المكرمة الذي عمل في الرابعة عشرة من عمره حمالا لعمال المباني، لتزداد قناعتي بأن البسطاء الصادقين هم الأساس القوي لكل وطن عظيم.

نسأل الله الرحمة لإبراهيم خفاجي.. ويا موطني عشت فخرا للمسلمين.

klfhrbe@gmail.com