طلبهم سعد الله الفزعة. قال العريفة: أبشر بنا، إلا أن القرية انقسمت إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يرى أن وصول السيارة إلى القرية منفعة، تنقل مريضهم، وتسوق بضائعهم، وتنقل عرائسهم.

القسم المعارض يقولون يا جماعة لا تغيرون عاداتنا، وتتنكرون لسالف الآباء والأجداد، الحمير تقضي اللزوم في الحط والشيل، والجمال تنقل من هنا إلى مكة في نهارين، والمريض ما يحتاج نقله لطبيب فكل قرية طبيبها فيها، ودخول السيارة مضاره أكثر من منافعه.

أما القسم الثالث، فما عنده مبدأ، إن قابلوا مالك الشاحنة قالوا: والله إنك ابن حلال، لكن وش لك وش لخيطي ميطي، وإن لقيوا المعارضين قالوا: احذروا يدخل السواقين والمعاونية قريتكم، ويكشف معوركم لمتقنص الطير وشبار الخير، وإن واجهوا المؤيدين قالوا: الشاحنة مصلحة لنا كلنا، وسعدالله يبغى يتكسب من ظهور الفدغ، وكلن شيخ حبّه.

لم يكن العريفة ممن يتأثر بالقيل والقال. كانت كلمته ترد على صميد الحنّان، ندر سوق الخميس، وصعد فوق الدكاكين، وبدا ببدوة: صائحاً «الله وأكبر لا إله إلا الله، يا قبيلتي ويا عصابة رأسي، معنا موتر نشب على رفيقنا سعدالله والصقر ما ينفر إلا بجنحانه».

لم تغب شمس الخميس إلا وبيت العريفة متروس رجاجيل، وحلال، ومال، وأدوات عمل من عتل ومساحي ومناقب وزنابيل. أمّن (أبو صالح) الجمال والمشاديد، وفجر الجمعة انطلقوا باتجاه الشرق.

فريق النفاثات في العقد أصبح يتنشد النسوان والسفان: هاه افلحوا ما افلحو، أما المعارضون فصلّوا فرضهم في المسيد وما أشرقت الشمس إلا وهم في غثران، صاحوا بالعريفة: وقفوا لنا، التفت، وقال: أبشروا أنا فدى الحس ومن هو حسه.

أمضو أسبوعين غائبين عن القرية، وصباح سوق الأحد في رغدان كانت شاحنة عابرة وسط القرى، والزير يدنّ في الصندوق، وصدى أصوات المطاليق يعانق عنان السماء (يا معلّم علّم الباحة، هضبة الصنّه قلعناها، الملد وبشير والراعب، والقرايا جتك فزّاعه) اصطف النساء على الطريق، وصدحن بزغاريد تهز الجبال وقلوب الرجال.

دخل النفاثون في العقد بيوتهم، وأغلقوا البيبان على أنفسهم، وقال كل واحد لزوجته: إذا حد نشد عني ما نيب هنيه. علمي وسلامتكم.

Al_ARobai@