عندما حصلت كارثة سيول جدة عام 2009، وخلّفت وراءها مئات الضحايا ودمرت آلاف السيارات وعشرات المنازل، تم تكوين لجنة للتحقيق مع الذين تسببوا في حصول الكارثة، فبدأت الصحف المحلية تتابع مجريات التحقيق ولكن النتائج لم تُسمِّ أحداً من أولئك المتسببين، وإنما تمت إدانة عدد من الموظفين في قضايا ومخالفات أخرى لا علاقة لها بالكارثة مع أن التوجيه كان ينصّ على التحقيق مع المتسببين في حصول كارثة السيول على وجه التحديد، ولما سُئِلَ رئيس المحكمة العامة بجدة عن هذا الأمر قال في حينه: إن القضاة يفصلون فيما يُحَوّل إليهم من قضايا من جهات الاختصاص فقط لا غير، ولذلك جاء التوجيه السامي الأخير القاضي بإعادة فتح التحقيق في سيول جدة عام 2009 م ليضع النقاط على الحروف!

لقد أعقب الكارثة السابقة لسيول يوم الأربعاء في جدة تنفيذ مشاريع لحماية المحافظة من السيول القادمة من خارجها، أما ما يهطل عليها من أمطار مكوناً تجمعات مائية سيّارة تقتحم الطرق وتملأ الأنفاق فلم تُعطَ أي اهتمام، ولذلك ظلّ ما هو مغطى من أحياء جدة بشبكة تصريف مياه الأمطار لا يزيد على 18% حسب ما نشرته «عكاظ» في عددها الصادر يوم الخميس 05/‏03/‏1439 هـ فكيف لا تحصل كارثة جديدة كلما زادت كمية الأمطار عن المعدل المعتاد ولماذا لا تتكرر مأساة سيول جدة التي حصلت في عام 2009 م لتحصل مرة أخرى في عام 2017 م مع توقع تكرارها في أي موسم أمطار تزيد فيه الكمية على الطاقة الاحتمالية للطرق والشبكات القديمة الموجودة منذ عدة عقود التي لا تُغطي سوى خُمس مساحة المحافظة؟!

إن مما يؤسف له أن معظم المعالجات والتغطيات الإعلامية للكارثة الأولى والكارثة الحالية غير ناضحة؛ لأنها لا تبحث في الأسباب الحقيقية المؤدية إلى نشوء المشكلة من أساسها فهذه المحافظة البحرية التي تعاني أصلاً من ارتفاع منسوب المياه الجوفية لم تزل محرومة في معظم أحيائها ومحافظاتها من البنية التحتية فهي بحاجة إلى تغطية 80 % من مساحتها بشبكة للصرف الصحي وأخرى بالنسبة نفسها بشبكة لتصريف مياه الأمطار، فإذا لم يتحقق لها ذلك فسوف تظل تعاني من انبعاث مياه الصرف الصحي في أحيائها وغرقها تحت وابل من مياه الأمطار في المواسم المطيرة، وهو الأمر نفسه الذي سيحصل في أي مدينة في العالم حتى لو كانت مدينة أوروبية أو أمريكية أو صينية أو روسية (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا)؟!

mohammed.ahmad568@gmail.com