من وقت لآخر أجلس مع صديقات وأقارب، خضعن لنفس نظام التعليم، الذي خضعت له في مناهج ومراحل التعليم في مدارسنا. ومن باب «المزح» تارة ومن باب الجد تارة أخرى نحاول استعادة الذكريات وتذكر ما درسناه في تلك الحقبة الزمنية الماضية، مثل معلقة امرئ القيس «مكر مفر مقبل مدبر معاً.. كجلمود صخر حطه السيل من عَل»، وكأننا وقتها سندخل إلى ساحة معركة تتبارى فيها السيوف.

كان يفترض على تعليمنا التركيز في مواهبنا وتطوير أدواتنا واكتشاف قدراتنا بموازاة نتائج «الجذر التربيعي» وحل معادلات (س ص)، بتعليم فلسفة العقل (الذهن)!

نتذكر جميعاً كيف كنّا في دراستنا ومناهج تعليمنا، نقوم بمجهودات «جبارة» في سبيل الحفظ من أجل النجاح فقط، ثم يتبعه (نسيان مباشر) بمجرد الانتهاء من الاختبارات الفصلية قبل النهائية.

كان وربما لا يزال من يذاكر مواد الحفظ (وهي الأغلب)، ويمتلك «ملكة الحفظ» يحصل على أعلى الدرجات نظير من يدرس ويذاكر طوال العام وهو «يشقى» من أجل أن يحفظ صفحات، ربما قيمتها التعليمية والفكرية ضعيفة جداً!

تخرجنا من تلك المناهج المدرسية، وغالبيتنا يعرف حجم قدراته في مجال الحفظ جيداً.

لكن، ماذا عن مصير من لم يحظ بموهبة «الحفظ»،

وهو يفضّل أساليب الاستنتاج والتحليل أو التفكير خارج الصندوق؟!

لاشك في أن الحفظ من أنواع الذكاء، وهناك أنواع وتصنيفات متعددة له، ليس المجال للحديث عنها!

نحتاج في المدارس لصناعة أجيال تقنية موهوبة بالفطرة، عبر العمل على اكتشاف العقول وتحفيز الطلاب وتعويدهم على العصف الفكري وعدم التركيز على بعض المواد التي لا تسمن أو تغني والاستثمار في تشكيل ذكاء الطالب الفطري.. أليس ذلك أفضل؟

على المدارس الخروج من عباءة التقليدية وطرائق التلقين القديمة والعمل على تنويع أساليب التعليم الحديثة لاكتشاف الطلاب وتحفيزهم وتصنيفهم وفقاً لدرجات ذكائهم من دون التقليل من قدراتهم أياً كانت، لأن في ذلك اختصاراً للمشوار على الدولة والجامعات وعلى الطلاب أنفسهم وأهاليهم في تحديد مسارهم العلمي بحسب ميولهم الفطرية، حتى يمكن تنمية مواهب الطالب وتقويتها، وليبدع في المهام الوظيفية المطلوبة لاحقاً.

وكما يقول ألبرت أينشتاين «الجميع عباقرة، لكن عندما تحكم على سمكة أن تتسلق شجرة فإنها ستشعر أنها غبية طوال حياتها»، لذلك من الظلم أن يتحكم بتحديد مصير الطالب ومستقبله العلمي درجات قائمة على الحفظ والتلقين بينما هناك مجالات علمية ذهنية واسعة للتحفيز على التميز والتغريد في فضاءات علمية متعددة. وتجارب الدول الأخرى التي تمكنت من الاستثمار في صناعة العقول بدءا من المدرسة، كانت لها نتائج إيجابية انعكست على تطورها خصوصاً في أمريكا والدول الإسكندنافية واليابان وكوريا الجنوبية.

* إعلامية سعودية

NORAH_MOHAMMED@