من الواضح أن عبارة «بما يتماشى مع التحول الوطني ورؤية 2030» أصبحت مطية مغرية ومركباً سهلاً لكل مسؤول حكومي يريد أن يظهر في الصورة كمجتهد أو مبدع رغم أنه لا يقدم سوى أفكار ومشاريع بدائية وفي غاية التخلف قد تتماشى بشكل جيد مع أنظمة وآلية تفكير أبناء العصور الوسطى أو «عصور الظلام» كما يسميها الأوروبيون لا زمن الرؤية السعودية العظمى، وهذا ناتج بالطبع عن كون المسؤول المتفذلك لا يمتلك لسوء حظه سوى عقلية ماضوية غير قادرة على الاتصال بالحاضر والمستقبل، أي أنه يعيش معنا في هذا العصر بجسده بينما يعيش عقله في قرون ماضية ولت بلا رجعة.

بالأمس نشرت الصحف السعودية إعلان أمانة المدينة المنورة عن إنشاء أول بلدية نسائية لتقديم كافة الخدمات البلدية للنساء مشيرة إلى أن ذلك يأتي ضمن خطة التحول الوطني 2020 وتحقيقاً لرؤية 2030، وهو أمر مضحك ومسيء للتحول الوطني والرؤية بشكل عام إذ هو بصريح العبارة عودة لزمن «الحرملك» العثماني بدلاً من العمل على تسهيل حصول المواطنات على كافة الخدمات ومن جميع فروع البلديات على أيدي موظفات محترفات دون فذلكة وتسابق على تسجيل عبارة «لأول مرة» كإنجاز وهمي لا يزيد الوطن إلا تخلفاً وتمييزا ضد المواطنة التي تستحق الحصول على الخدمة من أي بلدية وفي أجواء تحترم مواطنتها وحقوقها.

و «الحرملك» لمن لا يعرفه هو مبنى كان يخصص لـ«الحريم» و«الجواري» في العصر العثماني إذ يُمنع عليهن الخروج منه إلا للضرورة القصوى وبإذن من سيد القصر، وهو نتيجة استعلاء ذكوري خالص لا علاقة له بالدين أو القانون إذ كان «الحرملك» كما تشير المصادر «بمثابة قرية صغيرة، يعامل فيها الرجل باحترام يكاد يزيد على ما يتمتع به البشر، ومن آداب اللياقة ألا ينظر أحد إلى عينيه دون داعٍ، وهو بدوره كان يلبس باستمرار صندلا نعله من الفضة، لكى يُحدث صوتًا على الأرض المكسوة بالرخام ويتم التنبه لخطاه وخدمته».

إخواننا في أمانة المدينة المنورة أرادوا أن يدخلوا نظام الحرملك في رؤية 2030 بطريقة متذاكية لكنها مثيرة للضحك كما أسلفت، فابتداء من استخدامهم مصطلح نساء بدلا من سيدات أو مواطنات مرورا بعزل خدمات المواطنات وراء الجدران وفي مكان محدد يمكننا فهم العقلية ونمط التفكير اللذين ابتكرا هذا المشروع الساذج، وعليه نقول لهم إن الفذلكة لا تصنع إنجازاً يستحق الشكر أو حتى يلبي الحد الأدنى من معايير مؤشرات التقييم، كما أن امتطاء عبارة «بما يتماشى مع التحول والرؤية» أمر خطير جدا وتسلق في غاية الحمق على شعارات الوطن لمرتقى شاهق من يسقط منه تُكسر رقبته، وليتهم يفهمون ذلك قبل فوات الأوان.

Hani_DH@

gm@mem-sa.com