تذكرت بيت المتنبي الذي وصف فيه حالة الذعر والهلع الذي ينتاب الأنفس حتى تصبح مسرحا للأوهام والتخيلات التي لا تستند إلى حقيقة ولا تنتمي إلى احتمال وذلك حين قال:

وضاقت الأرضُ حتى كان هاربهم...... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا

تذكرت هذا البيت وأنا أستعرض المحاولات المستميتة التي بذلها بعض المحللين اللبنانيين في قراءة معالم وخفايا خلفيات اللقاء التلفزيوني مع سعد الحريري من أجل اكتشاف ما قد يبرهن على ما يتوهمونه أو يفتعلون توهمه من أن رئيس حكومتهم السابق قيد الإقامة الجبرية في الرياض.

وإذا لم يكن لنا إلا أن نبدي إعجابنا بما يتمتع به أولئك اللبنانيون من خيال خصب فإن علينا أن نؤكد لهم شعورنا بحجم خيبة الأمل والفشل الذريع الذي شعروا به حين صرخ بهم وبمن يروجون لاعتقاله في الرياض: أنتم تكذبون، ثم غادر الرياض بعد ذلك مختارا إلى باريس.

لم يترك أولئك الذين حاولوا البرهنة على أوهامهم وأكاذيبهم شاردة أو واردة في ذلك اللقاء لم يتخذوها دليلا على ما يتوهمون أو يريدون من العالم أن يتوهمه، بدءا من أظافر الحريري التي اكتشفوا أنها لم تقلم من يومين وانتهاء بلون كارفتته واللوحات المعلقة على الجدار ومفرش الطاولة وموقع العلم اللبناني والماء في قنينة البلاستيك وظل لرجل ظهر خلف المذيعة، لم يتركوا شيئا لم يحاولوا توظيفه لدعم أوهامهم وأكاذيبهم وتجاهلوا شيئا واحدا فقط هو تأكيد الحريري، وهو يتحدث على الهواء مباشرة، على أنه حر ويستطيع مغادرة الرياض في أي وقت.

ما بذله أولئك اللبنانيون في قراءة تلك العلامات وتأويلها إنما هو نتاج لما يحياه بلد مأزوم لا يحكمه نظام ولا تدير أموره دولة وإنما هو بلد مختطف من قبل ميليشيا تركت كل لبناني يعيش حالة من الوهم تجعله كلما رأى غير شيءٍ ظنه رجلا كما قال المتنبي.

suraihi@gmail.com