ما حدث في مكافحة الفساد مؤخراً ليس تصحيحاً ولا انتفاضةً ولا تغييراً، بل ثورة نبيلة -بكل ما تعنيه الكلمة- على وباء مستوطن منذ بداية الطفرة المالية الأولى في سبعينات القرن الماضي، أي قرابة نصف قرن من الزمن، أُهدرت خلاله أموال طائلة في مسارب عديدة وبأشكال مختلفة، تكفي لبناء دولة أخرى بحجم المملكة، وربما أفضل مما استطعنا بناءه. لقد تحدثنا في وقت سابق عن ضرورة تغيير الأنظمة الإدارية والمالية والرقابية المهترئة كأولوية لأنه من خلالها كان يعبر الفاسدون لاختلاس المال العام، ولكن لأن الثورة لا بد أن تكون مستمرة ولا بد أن تتوفر لها عناصر أساسية حتى تنجح وتصل إلى هدفها، فسوف نتحدث اليوم عن عنصر في غاية الأهمية هو دور الإعلام في الثورة على الفساد خلال مرحلتنا الجديدة.

الإعلام لم يكن فاعلا كما يجب في محاربة الفساد، إذ كان بين مطرقة الرقابة الضاغطة وسندان الخشية من المساءلة، ولتكون النتيجة فقدان السلطة الرابعة كثيرا من صلاحياتها ومسؤوليتها الوطنية، وتحولت أحيانا إلى تمجيد كل شيء والإشادة بكل شيء، رغم أن الكثير من تلك الأشياء كانت منخورة بالخلل الذي سببه الفساد الفادح، ولا يختلف الحال في بقية الوسائل الإعلامية، والنتيجة أننا فقدنا دور الإعلام الناقد الذي يرشد أصحاب القرار إلى مكامن الخلل، فاطمأن الفاسدون وخسر الوطن.

الآن يجب أن يتغير الحال جذريا، فهذه الثورة الكبرى على الفساد تحتاج بالضرورة إلى إعلام شجاع ومسؤول ومخلص ينهض بدوره المهم دون خشية من مسؤول أو نافذ يلوح له بالهراوة عندما يقترب من حواضن الفساد ومزارع تسمينه وتفريخه، فأي عمل وطني كبير لا يستمر وينجح إذا لم يسنده إعلام مستقل واعٍ بأهمية دوره الوطني أيضا، ويستطيع ممارسة هذا الدور بحرية ومهنية.

لكل ذلك، نتطلع إلى مرحلة إعلامية جديدة تليق بعقول المواطنين وتحترمها، وتكون شريكاً إيجابيا للدولة في تحقيق التطلعات الوطنية الكبيرة.