منذ أن شاهدت مقابلة سعد الحريري التلفزيونية الأسبوع الماضي وإلى اليوم، وملامح وجهه المنهكة بالحزن والأسى لم تفارق ذاكرتي، بدا وجهه خلال المقابلة شاحبا متألما، أسفا وحسرة على ما آل إليه حال بلاده، تسمعه يتحدث والكلمات تتحشرج في حلقه فلا تملك سوى أن ترثي له متعاطفا معه.

لا أحد يلومه، فالأزمة التي يمر بها لبنان ليست أزمة سياسية ترتبط بالحكومات فحسب، وإنما هي أكبر من ذلك، هي أزمة متعددة الأضلاع أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، وهذا ما يثير القلق والخوف لدى الحريري ويبعث في صدره الحزن والأسى.

لبنان يمر بمرحلة حرجة للغاية، وهو في أشد الحاجة هذه الأيام إلى قيادة قوية حكيمة وحازمة تقوده خارج المستنقع الذي أسقط فيه، خاصة أنه حاليا يخوض أزمة اقتصادية، تتزايد آثارها يوما بعد يوم وتهدد بانهيار اقتصاده، وربما أودى ذلك بعملته بما يزيد وضعه سوءا.

لبنان بلد يعتمد في اقتصاده على التجارة وأغلب تجارته مع الدول الخليجية، ومتى نشبت بينه وبينها عداوة فإنه الخاسر الأكبر، كما أن دخله من السياحة يعتمد في جزء كبير منه على السياح الخليجيين، فضلا عن كون عدد كبير من أبنائه يعملون في الخليج، ولو سرحوا من أعمالهم فإن ذلك يعني وقوع كارثة اقتصادية بالنسبة لهم.

فلبنان لا يقوى اقتصاديا على مقاطعة الدول الخليجية، وإذا كان نصر الله قد عبر عن امتنانه بأن مرتبات جيش حزب الله وسلاحه تأتيه من إيران، فإن لبنان بأكمله ممتن للخليج الذي يشكل مصدرا رئيسيا لاقتصاده، وكان على نصر الله أن يدرك أن مراعاة مصلحة الكل أولى من مراعاة مصلحة الجزء.

وضع لبنان اليوم يجعل اللبنانيين يعيشون حالة قلق وترقب وتوجس مما هو آت، فهم يدركون أنه طالما باتت أرض لبنان ومؤسساته حاضنا للصراعات الأيديولوجية والأطماع السياسية الخارجية، فإنه لا أمل في الأمن والاستقرار، ومن ثم لا أمل في تحسن الوضع الاقتصادي الذي يرتبط تحسنه إلى حد كبير بالاستقرار السياسي والأمني. وأسوأ من هذا أنهم باتوا يخشون أن ينتج عن هذه الأزمة ما يتيح لبعض الخلايا النائمة الانتعاش، فتنهض لتوقد شرارة الفتنة مؤججة لصراع داخلي يكرر مآسي لبنان الماضية مع الحروب الأهلية، أو أن تستغل إسرائيل الوضع المتأزم والفوضى القائمة فتغير على لبنان لتلتهم من جسده ما تشاء.

هذه المخاوف والقلق من تردي الوضع في لبنان، من المتوقع أن يدفع بالعقلاء من اللبنانيين إلى اتخاذ تصرف إيجابي لتفادي حدوث شيء مما يخشون.

إن لبنان اليوم أشد ما يكون حاجة إلى تضامن أبنائه، وتغليبهم مصلحته على مصالحهم الخاصة وأهوائهم وميولهم الذاتية والطائفية والمذهبية، ومن حقه عليهم أن يقفوا موقفا موحدا في وجه حزب الله، الذي يريد إخراج لبنان من عروبته والزج به في أتون الفرقة والفتنة.