أخيرا حدث أن المقطع الأكثر تداولا في وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية في الأسبوع الماضي عن مسلم لم يكن عن عمل إرهابي إنما عن قمة من قمم عظمة الطبيعة الإنسانية العليا؛ حيث تداول الإعلام مقاطع من محاكمة شاب أمريكي قام بطعن شاب مسلم حتى الموت لكي يسرقه، وقبيل نطق القاضي بالحكم وهو السجن لواحد وثلاثين سنة، وكان يمكن أن يحكم عليه بالإعدام لولا إن أهل الضحية وافقوا على تخفيف الحكم للسجن، وحسب تقاليد القضاء الأمريكي تتاح الفرصة لأهل الضحية لمخاطبة الجاني بعد انتهاء المحاكمة، ووالد الضحية صلاح الدين هو الدكتور عبدالمنعم جتمود وهو من جنوب شرق آسيا وعمل مديرا لعدد من المدارس الإسلامية في أمريكا لكنه يعيش الآن في تايلند وبدأ خطابه للجاني بشفقة أبوية وبتعبير «يا ولدي» وأخبره أنه عن نفسه وبالنيابة عن ابنه الفقيد وبالنيابة عن أمه سامحه وغفر له، وقال له إن عفوه هذا هو ما يحث عليه الإسلام وأن العفو هو أعظم عمل خيري في الإسلام، وقال للمجرم إنه يشعر بالأسف والحزن لحاله وحال والديه اللذين جاهدا طوال حياتهما ليجعلاه شخصا صالحا ناجحا ونجاحه نجاح لهما وتعاسته تعاسة لهما وأن باب التوبة مفتوح، وقال إنه ليس في قلبه أي حقد عليه، فهو يلوم الشيطان الذي وسوس له بهذا الجرم السيئ، فبكي الجاني وهو يشكر والد الضحية على عفوه وصار يمسح دمعه بطرف قميصه فما كان من والد الضحية إلا أن تقدم باتجاه الجاني وقدم له منديلا ليمسح دموعه ثم أمسك بيد الجاني ليواسيه ثم احتضنه لبرهة وهو يدعو له همسا، وبدا واضحا من تعابير الجاني بعدها أنه حصلت له يقظة وعي روحية، وأثناءها أجهش القاضي ومحامي المجرم بالبكاء وغالب من في المحكمة، وبخاصة أهل الضحية وأهل الجاني وحصل عناق جماعي لأهل الجانبين، وصرح بعدها المدعي العام وغيره من المشاركين بالمحاكمة بانبهارهم بما قام به والد الضحية، وبحق صدقوا؛ فلا يوجد أي شيء مبهر بالانتقام أو قيام شخص بأذية وقتل الناس بعملية إرهابية فحتى الحيوانات والحشرات تقتل الناس وتنتقم منهم فلا امتياز إنسانيا بالأذية والقتل، وحتى النمل والصراصير والقرود تقوم بغارات على منافسيها وتقاتلهم وتقتلهم وتستعبدهم وتسرق مواردهم، لكن ما يمتاز به الإنسان فقط هو طبيعته العليا الأخلاقية الربانية التي لا ترد على الإساءة بمثلها بل تتسامى وترد بمثالياتها العليا كما فعل هذا الأب المسلم القدوة.

bushra.sbe@gmail.com