لم يكن الإعلان عن إطلاق المشروع التكنولوجي العملاق المعروف باسم (نيوم)، حدثاً فريداً ومميزاً في تاريخ المملكة الحديث فحسب، بل مثل إحدى الحلقات الرائدة في سلسلة متعاقبة من الإنجازات اللافتة التي قام بها الملك سلمان منذ توليه الحكم، وهي الإنجازات التي تمت على عدد من الأصعدة، أهمها الصعيد السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والاجتماعي، وغدت تشكل منظومة متكاملة لرؤية مستقبلية للمملكة.

إن التنمية الحقيقية يتعذر الوصول إليها إلا من خلال التخطيط الشامل وتطبيق المناهج والأدوات الذكية الداعمة لتلك الخطط، ومن الصعوبة بمكان تطبيق أفكار تقليدية في الوقت الراهن، فوتيرة الحياة المتسارعة والتحديات المعاصرة تفرض ضرورة البحث عن حلول مبتكرة تتميز بالإبداع والجدة، بهدف البدء في تغيير نمط الحياة الحالي إلى آخر أفضل وأكثر استدامة، ولقد تحقق بالفعل المنظور الثاقب الذي أوجز النظرة المستقبلية للمملكة على المدى البعيد، وهو رؤية 2030، والتي ترى المملكة بعد عدة عقود قليلة دولة متقدمة غير معتمدة على مورد ناضب، وتضعها على الساحة الدولة كدولة تعج بالفرص المستقبلية وتزخر بالإمكانيات والقدرات المادية والبشرية والتكنولوجية والصناعية على حد سواء.

يعد المشروع الضخم (نيوم) أحد الترجمات الحية لهذه الرؤية على أرض الواقع، فالمشروع الذي كثر الحديث حوله واستفاضت الصحف والمواقع الإلكترونية في تعريفه وتحديد معالمه يحمل من الطموحات الواعدة والفرص الخيالية أضعاف ما يمكن تخيله، وربما لا تكمن عبقريته في المساحة الضخمة التي سيقام فوقها فحسب، ولا في التمويل الاستثماري الجبار المخصص له، ولكن في القطاعات الاستثمارية المتخصصة المهمة التي سيركز عليها، والتي لا تقف عند حدود قطاعات المياه والغذاء والإعلام والترفيه، بل تتعداه للقطاعات الأكثر ثقلاً ونفوذاً، مثل مجالات الطاقة والعلوم التقنية والرقمية والتصنيع المتطور، كما أنه سيمثل منطقة جديدة تسعى لتوفير الآلاف من الفرص الوظيفية، وتسهم في تغيير الصورة الذهنية للعالم الخارجي عن المملكة وشعبها.

ولعل النقطة الأكثر أهمية هنا هي منظومة الإنجازات المترابطة والتي يؤدي بعضها لبعض على نحو مخطط مقدراً، فاسترداد جزيرتي تيران وصنافير لم يكن نصراً سياسياً فحسب، بل اتضح أيضاً أنه خطوة ضمن منظومة الرؤية الثاقبة بعيدة المدى؛ نظراً لأن مشروع نيوم سيتضمن جغرافياً جزيرتي تيران وصنافير، فهذا المشروع العملاق سيربط بين ثلاث قارات، وسيمثل نقطة التقاء تجمع أفضل ما في المنطقة العربية، وآسيا، وأفريقيا، وسيحتوي على أجمل المواقع الخلابة، وأكثرها سحراً وجاذبية من شواطئ وجبال ووديان وجزر وشعاب مرجانية.

من السهولة بمكان أيضاً أن نجد الروابط القوية بين مشروع نيوم العملاق وبين المنظومة العسكرية -السعودية الروسية- والتي حققت من خلالها المملكة عدة أهداف دولية وإقليمية، لعل أهمها هو تنويع مصادر السلاح العسكري في مواجهة المارد الأمريكي، وربط المملكة أمنياً وإستراتيجياً بالقوى العسكرية العالمية المتنوعة، كما يعد أبرز نتائجها فتح الباب لتوطين الصناعات الثقيلة والمتطورة، وهو ما يركز عليه أيضاً مشروع نيوم الذي يركز على قطاع التصنيع المتطور باعتباره أحد القطاعات التسعة المرصودة للتطوير من خلال أنشطة المشروع العملاق.

تعيش المملكة الآن حالة من الحراك السريع على الكثير من المستويات والأصعدة، فعلى الجانب الاجتماعي تمكن الملك سلمان أخيراً من قهر أحد أهم العادات التي سيطرت لعقود طويلة على العقل الجمعي في المجتمع السعودي، ومكن المرأة من قيادة السيارة طبقاً للضوابط والشروط الشرعية، وهو الأمر الذي كان أشبه بثورة اجتماعية غير مسبوقة على أحد أهم العادات والتقاليد الخاطئة المهيمنة على فكر الكثيرين، وعلى الصعيد الاقتصادي تم التخطيط لمستقبل المملكة كدولة متعددة الموارد لا تعتمد على النفط فحسب، وعلى الصعيد الدولي والإقليمي تم فرض مكانة المملكة كدولة عظمى ذات مكانة مميزة إستراتيجياً وعسكرياً وسياسياً، وأخيراً على مستوى التخطيط الحضاري والعمراني والتقني ولدت نيوم مشروعاً عملاقاً لا يهدف فحسب لتغيير نمط المعيشة والحياة بأكملها فوق بقعة كبيرة من أراضي المملكة، بل يسعى إلى تغيير وتطوير مستقبل المملكة ذاته على المديين القصير والطويل معاً.

mohammed@dr-mufti.com