في فترة الحرب العالمية الثانية سأل الناس ونستون تشرشل (1874 - 1965) عن الحرب، وأن البلاد قد تخربت فسأل: «ما وضع القضاء والتعليم ؟»، فأجابوه: ما زال القضاء والتعليم بخير، فقال «إذا البلد بخير فلا تخافوا»، التعليم في بريطانيا حالة معرفية فريدة، وتطور نظامهم التعليمي مر بعدة مراحل تاريخية ضخمة، وأهمها تبلور فكرة خروج التعليم من عباءة الكنيسة في القرن الـ20 ومجانية التعليم، مبدأ التعليم الإلزامي والذي يعد الأطول عالميا حيث يصل لـ11 سنة ! وعدة من القوانين تناولت هذا النظام بالتطوير كقانون بلفور 1902، الذي أقر الرقابة على التعليم وقانون فيشر 1918، الذي أقر إلزامية التعليم وقانون بتلر 1944، الذي مهد لإصلاحات تعليمية على أوسع نطاق حتى جاء قانون الإصلاح التعليمي عام 1988، والذي منح وزير التعليم كافة الصلاحيات لإصدار القوانين التي تخدم النظام التعليمي.

وما زال النظام التعليمي البريطاني يحظى بأعلى مستويات الدعم من الحكومة وبشكل مستمر، وكذلك نظامنا التعليمي الذي نتمتع به منذ طفولتنا من خلال مجانيته وإتاحته، وأيضا الدعم المتواصل لبرامج الدراسات العليا والابتعاث وغير ذلك، لكن ! بقيت وثيقة سياسة التعليم في معزل وجمود عن هذا الحراك، والذي أثر سلبا بل أحدث تناقضا واضحا بين رؤية 2030 وما يدرسه الطلاب في المناهج والشواهد لا تعد ولا تحصى، سمعنا كثيرا عن وجود نوايا لتغيير وتعديل هذه الوثيقة، وهذا أمر مبشر بالخير ولكن هناك عدة بنود تتطلب التسريع في وتيرة إصلاح التعليم الذي يقوده حاليا أحمد العيسى وسط موجة مقاومة عالية جدا، بعضها بسبب خلل في التواصل المؤسسي وبعضها بسبب هيمنة أيدولوجية معينة على التعليم في حقبة من الزمن.

على ضوء ذلك طرحت هاشتاقا بعنوان # وثيقة سياسة التعليم، وأرفقت عددا من الأوراق البحثية التي تناولت «وثيقة سياسة التعليم بالمملكة» بالنقد، والتي تم وضعها عام 1390هـ، أي أنها الآن تدخل عامها الـ50!

دون تجديد ودون تعديل رسمي معلن، وكيف لا وهي التي تمثل حقبة تغول فيها فكر الإخوان في الوزارات والجامعات، وهو المصنف حاليا كمنظمة إرهابية وفق بيان وزارة الداخلية الذي صدر في تاريخ 3/4/1435هـ، استنادا إلى الأمر الملكي رقم أ/‏44، والذي نص على لائحة تشمل الأحزاب والجماعات الإرهابية، وذكر منها «جماعة الإخوان المسلمين»، وعند العودة لوثيقة سياسة التعليم نجد مصطلحات هذه الجماعة حاضرة في جل بنودها التي وضعت قبل 49 عاما، كالبند 205 حول المناهج ومفردة «الأمة»، والبند 104 الذي نص على «الجهاد»، بل تضمنت أكثر من بند حول «الجهاد» وأن الطالب «السعودي» دوره في الحياة الجهاد!

وهذا هو الحس الإخواني البغيض الذي جرمه أيضا ذات الأمر الملكي المشار إليه، حيث يوضح بأن كل من يشارك في «أعمال قتالية» خارج المملكة بأي صورة كانت عليهم مراجعة النفس والعودة للوطن!

المملكة دولة قائمة على العدل وحفظ حقوق مواطنيها وحمايتهم داخل وخارج حدودها، فمن هذا الذي يريد أن نرمي بالمواطنين خارجها! النظر في هذه المفاهيم في سياق الوثيقة يجعلك تتعجب من محاولة توظيف مصطلحات أساسية في مكون الهوية الثقافية لكل مسلم، ولكن بصيغة مغايرة لمعناها التربوي السليم، فنشأت أجيال الثمانينات وهاجس «الأمة المزعوم» يسيطر على خواطرهم، حتى بدأ المجتمع في الخمس السنوات الماضية بفتح الحديث عن المفهوم الحقيقي للمواطنة وهوية المواطن السعودي والمأمول منه.

يقول الدكتور عبدالعزيز الشهوان، في ورقة بحثية حول الوثيقة، إن هذه الوثيقة وضعت في سياق زمني كانت في حينها متوافقة ولكن حان وقت التعديل، في حين طرحت الدكتورة سارة المنقاش أفكارا محورية حولها وعن مدى توافق هذه الوثيقة مع المعايير الدولية التعليمية ومدى دقتها وتطبيقها على أرض الواقع، كذلك قدمت الدكتورة هيا البراهيم رؤية نقدية رصينة حولها. جميع هؤلاء الأساتذة نخبة مختصة في أنظمة التعليم، ويتحدثون من خلال أدوات بحثية وتأصيل علمي رصين، فلم لا تتقدم الوزارة بتفعيل لجنة دائمة لتطوير السياسات التعليمية تتضمن الخبراء والمعلمين، فلا تطوير دون رأي المعلم فهو العراب الحقيقي لنهضة التعليم وبدون رأيهم تصبح الرؤى تنظيرات لا قيمة لها.

بل معالي الوزير الدكتور أحمد العيسى تناول هذه الوثيقة بالنقد في كتابه المعروف عن إصلاح التعليم، وهذا ما يجعل بارقة الأمل تلوح بأن يشكل لجنة من هؤلاء الخبراء في المجال، ويعلن للوطن عن ولادة وثيقة سياسة تعليم تتوافق مع رؤية 2030، وثيقة لا تقود المواطن السعودي لبراثن القتال تحت دعوى «الجهاد» الذي له شروطه وأولها طاعة ولي الأمر! في كل يوم نتساءل كيف تم اختطاف التعليم؟! انظروا للوثيقة بتمعن تجدوا بنودها التي صادرت أولويات التمكين والحضارة، قولبت المناهج لأعوام، من منا لا يتذكر دروس التاريخ والجغرافيا وكيف ينتهي كل درس بأهمية التبرع وإرسال الأموال للأمة، حتى كبرنا ولدينا شعور بالذنب! فبدل أن ننشغل بتطوير أنفسنا ووطننا الكبير انشغلنا بالمجهول، الجهود عظيمة ومتتالية من كل الجهات، لكن وزارة التعليم عليها العبء الأكبر والدكتور أحمد العيسى خير من يقود هذا التغيير، ما زلت مؤمنة بأنه سيستطيع مواجهة هذا المد المؤدلج في أجهزة الوزارة، وقراراته الأخيرة جميعها تجعل دعمه حقا علينا كمجتمع أكاديمي، بل إن لم يكن تغيير الوثيقة وتعديلها في عهده فمتى سيكون؟ هذا رجاء أن نواجه جميعنا كل من يحاول عرقلة هذا التغيير ومقاومته.

تبقى بنود تعليم البنات في الوثيقة 153 - 156 الأكثر سوءا في الوثيقة، حيث تتعارض تماما مع رؤية 2030، وتنمط المرأة السعودية في قوالب هامشية ومسلم بها، الفتاة السعودية التي تكسر هذه الأنماط عادة تكون قوية ذاتيا ومساندة غالبا من محيطها، لكن التعليم يقتضي العدل، والعدل أن تتساوى ابنة الجوف مع ابنة الدمام، وأن تمارس فتاة حفر الباطن حريتها كفتاة الرياض داخل جامعتها، قرار العيسى عن السماح للجامعيات بالجوالات كان مفاجئا لفتيات الطبقة المترفة والمخملية في المدن! وأغلبهن تعجبن بالمقابل كثر النقد للوزير من جهات مختلفة، دون أن يرى أحد تحديات «الخطابات المجتمعية» في المدن المختلفة، لذلك حتى نخرج من هذه الوثيقة بسلام نشكر ما جاءت به من نقاط جيدة لكن! لمصلحة الوطن حان وقت التعديل بل لنصبح أكثر مرونة تطرح البنود الجديدة للتصويت للجميع بموقع إلكتروني لمدة شهر ولأجل الوطن ولا مزيد من المجاملات.

* أكاديمية وباحثة في قضايا التعليم

areejruba@gmail.com