منذ منتصف القرن السابع عشر أضحت الدولة القوميّة المكون الأساس للنظام الدولي. عقب صلح وستفاليا 1648، انتهى عصر الإمبراطوريات التوسعية الكبرى.. وكذا زمن الإقطاعيات المتصارعة الصغيرة، وجرى استبدال الشرعية الدينية والإقطاعية، للكيانات السياسية، بالشرعية القومية والهوية الوطنية.. وولِدَت الدولة القوميّة الحديثة على أسس الإرادة الشعبيّة، وليس على منطق الفتح والغلبة والغزو والإخضاع المباشر من قبل قوة أجنبية أو نخبة سياسية محلية مستبدة.

صحيح أن فكرة وتجربة الدولة القوميّة الحديثة، في بعض المجتمعات الأوروبية.. وكذا فكرة إسقاط شرعية الغزو والفتح والاحتلال، حتى داخل أوروبا نفسها، احتاجت لثلاثة قرون أخرى من الزمان، إلا أن فكرة الدولة القومية الحديثة وتجربتها، في عهد الأمم المتحدة، أمست هي العنصر الأساس للنظام الدولي والمسوغ الأول والحصري للعضوية في النظام الدولي، على مستوى مجتمعات العالم، بأسره. تجربة الدولة القوميّة الحديثة في العالم العربي، قد تكون أعرق من الكثير من المجتمعات، في قارات العالم الأخرى، خارج عالم أوروبا القديم، عدا بعض مجتمعات العالم الجديد في الأمريكتَين، حيث يؤرخ لدخول العالم العربي لمرحلة الدولة القوميّة الحديثة، بمؤتمر فرساي 1919 عقب الحرب الكونية الأولى. غير أن معظم الدول العربية الحديثة، لم تتطور بها شرعية محلية تعكس الإرادة العامة للشعوب العربية، وإن حرصت التجربة على تحري وتأكيد العضوية في النظام الدولي.

على أي حال: أضحت شرعية الدولة القوميّة الحديثة، كأساس لقيام الدول وكسب عضويتها في النظام الدولي، من أهم ليس فقط مسوغات قيام الدول نفسها، بقدر ما هو الضمان الأول لاستمرارها والحصن الحصين لتأمين بقائها، بغض النظر عن شرعية ومستوى درجة الاستقرار لأنظمتها السياسية الداخلية، ومدى توفر عنصر تقرير المصير لكافة فئات شعبها. حتى أن الأنظمة السياسية لبعض دول العالم الثالث، كثيراً ما تلجأ لمصادر شرعية الدولة نفسها الخارجية، في حالة تطور أي شكل من أشكال التحدي للنخبة السياسية الحاكمة محلياً. النظام الدولي، بأسره حتى في حالة احتدام الصراع بين قواه العظمى.. أو الاقتتال بين القوى الإقليمية الرئيسية في منطقة ما من العالم، يسوده شعور بالمسؤولية السياسية والأخلاقية لحماية السلامة الإقليمية والسيادة الوطنية لأعضائه من الدول، لكونها الضمانة الحقيقية لاستقرار النظام الدولي.. وضمان استمراره، وتفادي ما يقود إلى اضمحلاله.

حتى في أوج حالة استقرار النظام وانحسار مد التوتر وحركة الصراع بين فعالياته المهمة، بالتقدم تجاه المزيد من التعاون بين بعض أعضائه، لدرجة الانخراط في صيغة متقدمة من التكامل الإقليمي والاعتماد المتبادل لمواجهة تحديات التنمية، بعد أن تم تجاوز تحديات الأمن، كما هو في حالة تأسيس الكيانات الإقليمية الكبرى، لم يتم بأي حال المساومة على صيغة الدولة القومية بين أعضاء تلك الكيانات الإقليمية العملاقة، مثل الاتحاد الأوروبي. لقد ظلت فكرة حرية الدول في الانضمام أو الخروج من عضوية تلك الكيانات الإقليمية مكفولة للدول الأعضاء، مهما بلغت تكلفة ذلك على الدولة العضو، بناء لإرادات شعوبها وخيارات نخبها الحاكمة... تماماً: كما فعلت بريطانيا في استفتاء 23 يونيه 2016، عندما اختار الشعب البريطاني الخروج من تجربة الاتحاد الأوروبي التكاملية.

ليس ذلك فحسب، بل إن عضوية الكيانات الإقليمية الكبرى أمدت تجربة الدولة القوميّة الحديثة بشرعية أممية للحفاظ على بقائها واستمرارها، لضمان سلامة الدول الأعضاء الإقليمية.. والحؤول دون تفكك الدولة. لقد كان للدور الحاسم الذي قام به الاتحاد الأوروبي، أثر مباشر لإفشال مشروع استقلال إقليم كتالونيا، من مواجهة حكومة مدريد المركزية العنيفة لقمع محاولة الانفصال. لقد ساوم الاتحاد الأوروبي على ممارسة شعب الإقليم حقه في تقرير مصيره، قفزاً على قيم إنسانية وسياسية وأخلاقية تكفلها العضوية في الاتحاد لشعوب أعضائه، من أجل الدفاع عن الوحدة الإقليمية لأحد أعضائه (إسبانيا).

نفس الشيء تقريباً، وقبل ذلك بأسبوع، أُفشِل استفتاء أجرته حكومة كردستان العراق في 25 سبتمبر الماضي، للانفصال عن العراق. إفشال استفتاء استقلال إقليم كردستان لم يكن بسبب تحرك حكومة بغداد لتأكيد سيادتها على الإقليم والسيطرة على مناطق شملها الاستفتاء، مثل: مدينة كركوك الغنية بالنفط، بقدر ما كان ذلك الاعتراض الإقليمي الشرس لمشروع الانفصال من قوى إقليمية (تركيا وإيران).. وعدم توفر التعاطف والمساندة الدولية لمشروع الانفصال، بين قوى النظام الدولي الكبرى. كما كان الاستفتاء بالانفصال وبالاً على حكومة برشلونة المحلية، أضحى كارثة على حكومة أربيل، حيث تمت الإطاحة برئيس الإقليم (مسعود برزاني)، بالإضافة إلى الهزيمة العسكرية والمعنوية التي تلقتها قوات «البشمركة»، في أول مواجهة لها مع الجيش العراقي، في كركوك، بعد إجراء الاستفتاء.

فشل تجربتي استفتاء انفصال كردستان العراق وكتالونيا في إسبانيا، في أسبوع واحد (25 سبتمبر، 2 أكتوبر 2017)، يؤكدان ترسيخ تجربة الدولة القوميّة الحديثة، التي امتدت مسيرتها لما يقرب من أربعة قرون، باعتبارها رمزا للهوية الوطنية لشعوبها وأساس شرعية أنظمتها السياسية، بغض النظر عن التحولات في مفهوم السيادة، الذي ظل دائماً شأنا داخليا، يحظى باحترام مؤسسات وأعضاء النظام الدولي.

الدولة القوميّة الحديثة هي الانعكاس الحقيقي لتجسيد الشعوب حقها في تقرير مصيرها.. ومرآة تعدديتها الثقافية والدينية والعرقية، وتعبير عن رغبتها المشتركة في العيش معاً... وتظل سلامة كيانها الإقليمي من أولى اهتمامات النظام الدولي، حفاظاً على استقراره.. وسلام العالم.