ظلت قضايا الإيجارات لعقود طويلة «أم القضايا» التي لم تزل تشغل أروقة المحاكم العامة والجزائية ومن فيها من قضاة وموظفين وما يتبعها من شرط وعمد أحياء، لأن بعض المستأجرين يماطلون في دفع ما عليهم من حقوق بعد قيامهم «باحتلال» العقار المؤجر لهم، ثم عدم دفع الإيجارات بل وعدم إخلائه، ولو عرض المالك عليهم التنازل عن بعض حقه من الإيجارات، حتى وصلت «الوقاحة» والاستهتار من بعض المستأجرين إلى حد قولهم لمالك العقار ليس لك شيء عندي.. وأمامك المحكمة أو البحر لتشرب منه ما تشاء أو تأخذ حجراً من الأرض فتضرب به رأسك حتى تسيل منه الدماء.

وكان بعض الملّاك يبيع عقاره المؤجر على مجموعة من المماطلين بثمن بخس حتى يتخلص منه ومنهم، لعل المالك الجديد لديه قوة تحمل وصبر وجلد وقدرة على مطاردتهم في المحاكم لشهور أو سنوات حتى ينظف العقار منهم.

وقد حدّثني أحد الإخوة أنه أجر عقاراً يملكه لإسكان الحجاج على أحد الأشخاص، ثم رأى عقاره خلال موسم الحج وقد اكتظ بالحجاج من الدهليز حتى السطوح، فسره ذلك لأنه كان يرجو للمستأجر الربح لكي يتمكن من الوفاء له بالإيجارات، ولكن «دعبوس»، وهو اسم فني مناسب للمستأجر، استلم الإيجار من الحجاج ولم يفِ للمالك حقه، فظل يطارده هاتفياً ويقول له: أين الفلوس يا دعبوس؟!

أما ما بُشِّر به المجتمع بصفة عامة والملّاك بصفة خاصة فهو الإجراء النظامي الحصيف النظيف، الذي بشرت به الدولة «ممثلة» في وزارة العدل القاضي باعتبار عقد الإيجار المُوَقَّع بين المالك والمستأجر «سند تنفيذ»، لا يحتاج لأن يمر في حالة عدم الوفاء على المحاكم وإدارات الشرط وغيرها من جهات الاختصاص، بل من حق المالك التوجه بالعقد إلى محكمة التنفيذ طالباً تنفيذ ما جاء فيه من بنود وشروط وحقوق له بذمة المستأجر، وهذا الإجراء يعني تخلص المحاكم من 50% من أعداد القضايا التي تُحَوَّل لها يومياً، واختصار المدة المطلوبة لحصول الملّاك على حقوقهم، لأن نظام محكمة التنفيذ واضح، فإما الدفع وفاء بالعقود وإما تطبيق مواد صارمة ضد المماطلين بعد إبلاغهم بما عليهم من حقوق عن طريق جهات الاختصاص والإعلان في الصحف المحلية، ولكن هذا الإجراء يعني تحويل آلاف من عقود الإيجارات على محاكم وقضاة التنفيذ مما يتطلب تقديم دعم غير محدود لهذا النوع من المحاكم حتى تستطيع مواجهة ما تستقبله من قضايا حقوقية سواء ما صدر حولها «أحكام قضائية» أم ما كان منها عقود إيجار اكتسبت قوة سندات التنفيذ، مع العلم أن محاكم التنفيذ بدأت في الآونة الأخيرة تعاني من وجود ضغط على قُضَاتها وموظفيها لاستكمال إجراءات تنفيذ الأحكام القضائية بسبب ما يُحَوَّل لها من معاملات يومية فكيف سيكون الحال بعد تحويل عقود الإيجارات لمحاكم التنفيذ إذا لم تتم المبادرة بتزويدها بالعدد الكافي من القضاة والموظفين؟!