علي فايع*
يحكي لي صديق إعلامي رافق الأمير منصور بن مقرن في زيارته الأخيرة إلى البرك وسعيدة الصوالحة اللتين تبعدان عن مدينة أبها (190 كيلومترا) تقريباً عن الزيارة، وكيف كان الأمير (يرحمه الله) سعيداً بهذه الزيارة التي تأتي بعد شهر تقريباً من زيارته للحريضة التي تتبع إدارياً لمحافظة رجال ألمع، ضمن اهتمامات سموّه بسواحل منطقة عسير وأهمية الاستثمار السياحي فيها. كان الأمير يستقبل الناس بابتسامة، ويستمع إليهم بتواضع جمّ، يسأل عن كلّ كبيرة وصغيرة في مشروع الساحل الذي يعوّل عليه كثيراً. هذه الزيارات المتتابعة التي شهدتها المحافظات الساحلية في منطقة عسير كانت همّ الأمير منصور بن مقرن، إضافة إلى هموم أخرى في التنمية ظلّ يتابعها دون كلل أو ملل.

يلفت صديقي المرافق إلى تفاصيل دقيقة في زيارة الأمير الأخيرة التي أصرّ فيها على قيادة سيارته الخاصّة بنفسه مصطحباً معه وكيل الإمارة وأمين المنطقة ومحافظ محايل عسير (رحمهم الله) وأنّ الأمير أخذهم في جولة طويلة على سواحل البرك ليقف على المشروعات المنجزة وما تبقى منها، ولا يفوّت صديقي المرافق تحية الأمير وابتسامته للإعلاميين الذين رافقوه في هذه الجولة، وأكدتها الصورة التي التقطها أحد المصورين المرافقين وتداولها مغردون في شبكات التواصل الاجتماعي وكأنها الوداع الأخير، وتعليق قائد الحافلة (مصري الجنسية) الذي اختصر الحكاية بقوله: «يا سلااام. الأمير بيسلم، والغفير ما بيسلمش»! تلك كانت رحلة الأمير منصور بن مقرن باختصار وليست كما يروّج لها بعض الإعلاميين الذين لا همّ لهم إلاّ الكذب والتلفيق، ولا كما تريد «قناة الجزيرة» أن تقنع مشاهديها به وأنّ مصادرها في الصحف الإسرائيلية تقول بما لا يصدقه عقل ولا يقبله منطق، مع أنها تصنع الرأي بالمال لتبني عليه الخبر، وتقدمه في صورة فجّة لا تليق بإعلام يدّعي الرأي والرأي الآخر! ولكلّ ما سبق، فـ«ريدة» التي تبعد عن أبها (20 كيلومترا) شمال غربي مدينة أبها، التي شهدت وفاة الأمير منصور بن مقرن ومرافقيه (وليست على الحدّ الجنوبي كما يروّج لها الإعلام الكاذب) مكان تاريخي معروف ومحمية ضمن جبال الحجاز، وهي منطقة تشكّلها منحدرات شديدة، وتغطيها نباتات كثيفة كالعتم والزيتون البري والطلح وعدة أنواع من الصبار وتتخلل بين هذه الأشجار أشجار العرعر الشهيرة في منطقة عسير، كما أنّ فيها العديد من الروافد المائية التي تنحدر من أعلى الجرف وتصب في شعيب ريدة، أما «ريدة» التاريخية التي يبدو أنّ إعلام «الجزيرة» لا يعرفها،فقد حددها «محمود شاكر» قبل أن تولد قناة الجزيرة ويولد بعض الإعلاميين المرتزقة بأنها تقع إلى الغرب من مدينة أبها، فيما ذكر ابن مسفر «أنها ترتكز على جبل الطور، المطل على تهامة، وقال إنها تقع في سفوح جبل الطور الغربية»، أما الشيخ هاشم النعمي فقد حدَّد موقعها بأنها «في الأغوار الغربية من الحفير» والحفير معقل من معاقل بلدة السقا الذي وصفه قائد عثماني بأنه يقع على قمة مرتفع ريدة، كما وُصف بأنه مطل على «ريدة من جهة السقا الغربية» فيما حدد «رفيع» موقع ريدة تحديداً لا يبتعد فيه عن تحديد ابن مسفر، وقال إنه «في صفاح الجبال الغربية مما يلي السقا»، ويلخّص بعض الباحثين موقع هذه البلدة بأنها «تقع في تهامة عسير» ومنتهى القول في تحديد موقعها أنها تقع ضمن منطقة الأصدار داخل النطاق الجغرافي التهامي في عسير، إذ تقع في منحدرات عقبةٍ تحمل اسم هذه البلدة.

تلك كانت «ريدة» التي عَرّفها المؤرخون قبل أن تولد «قناة الجزيرة» وقبل أن يقرأ الناس صحفاً إسرائيلية، وقبل أن تستكتب قناة الجزيرة القطرية بالمال من يكتب لها لتزييف الواقع وصناعة حقيقة بديلة لا يعترف بها ولا يصدقها سوى قاصري الرؤية ومسلوبي الإرادة، فيما يُعرّفها السعوديون اليوم بأنها المكان الذي ودّع فيه أهل منطقة عسير الأمير المحبوب منصور بن مقرن وعدد كبير من أبرز رجالات الوطن المخلصين الذين يشهد لهم الكبير والصغير بأنهم كانوا على درجة عالية من الكفاءة والنزاهة والولاء والوفاء لهذا الوطن وأهله، وهي الحقيقة التي يعرفها الناس هنا وهناك، ويلفظون ما دون ذلك من الأحاديث والكتابات والتأويلات التي تأتي في تغريدات أو تقارير تتبناها قناة الجزيرة وبعض المرتزقة المأجورين الذين لا هدف لهم إلا ضرب هذه الوحدة الوطنية العصيّة على كذب وتزييف واختلاق إسرائيل أو الجزيرة القطرية !

* صحفي من أسرة «عكاظ»