حنان الحربش*
أعتذر من نفسي لأن هذا العالم يلهث راكضاً، وأنا لم أعد أستطيع اللحاق به، ولم أعد أستطيع اللحاق بنفسي، إنها تنسلّ من بين أصابعي كالرمال، تنجرف مع مخلّفات الوقت.. وتأخذني نحو الزوال نحو التلاشي ببطء. أنا اعتذر من ذاكرتي، وقد أصبحت كالفضاء المفتوح الذي تطفو عبر أثيره الذكريات، مُجتثة من جذورها، معلّقة كالأغبرة، خاطفة كوميض الشهب، مؤقتة كقنبلة تنفجر ثم تختفي.. ثم تتطاير كالرماد وتنبعث كالدخان.. ثم تتلاشى وكأنها لم تتخذ حيّزاً في الوجود.. أو حيزاً في الحدوث.. لها دويّ يجّرح جدران قلبي.

أنا أعتذر من لغتي.. من المعنى الذي يتسرّب من جيبها المثقوب، من الأفكار العارية التي لم تجد بعد كسوتها من الكلمات.. من مفاهيمي المجرّدة ومن تجريد المفاهيم.. من الجرس الموسيقي المحطم والذي اتسمت به كتاباتي مؤخراً.. من النشاز الذي يخلّفه عالمنا الجديد، في البذاءات المدسوسة في أحاديث اليوم.. لقد صارت اللغة استهلاكا في الوقت الذي كان من الأجدر بها أن تكون تأملاً واستبصارا. أنا أعتذر من كتبي، ومكتبتي؛ يضيق الوقت، وتخونني الذاكرة.. تطول قائمة الكتب.. ويزداد فصل من فصول الجحيم.. أنا لا أقرأ لكي اغتال الوقت.. أنا اقرأ لكي تغتال أحزاني وأوهامي القراءة.. أنا أقرأ لكي استنير ولكن كيف يستنير من اقُتلع الفتيل من قناديله..!

أنا أعتذر.. أنا اعتذر للإنسان الذي كنت وأخشى من الإنسان الذي سيكون.. لقد تبدلت ملامح هذا العالم، وتجهمت ملامح الناس.. لقد انتقلنا من ثقافة الكلمات إلى ثقافة الأرقام، من وداعة الطبيعة إلى ضجيج المدن المسلحة بالحديد والأسمنت.. وأصبح كل شيء لدينا بتسعيرة، حتى البشر أصبحوا مواد قابلة للاستهلاك.. نحن نستهلك ونُستهلك.. مشاعرنا أصبحت أكثر ضحالة.. وفنوننا أصبحت أكثر فقاعية.. لقد أصبحنا مُعتقلين بداخل سجون جميلة وتحت مُسميات مختلفة.. لقد حاولنا استجلاب الفراديس السماوية على هذه الأرض ولكننا حفرنا المزيد من الأقبية والخنادق.. لقد حولنا هذا العالم إلى ورشة كبيرة.. وتحولنا إلى عبيد تقنيين.

أنا أعتذر لكل من يدرك أن هذا العالم المجنون يسير نحو الهاوية، لكل من يدرك مآلات هذه البشرية.

أنا أعتذر لهذا العالم المجنون والجامح.. أعتذر لآلام عقلي وجراحي التي تكبر يوما بعد يوم.

* قاصة سعودية