علي فايع (أبها)
لم يجد ناشر مصري (عرف باسم الدكتور محمد سلامة) حيلة مقنعة غير الأديب العالمي نجيب محفوظ للاسترزاق في عالم الطباعة والنشر، ليقنع باسمه كتَّابا وأدباء سعوديين وخليجيين بالنشر في داره، التي زعم أنها تطبع وتوزع في أنحاء العالم، وأنه يفتح من خلالها أبواب الشهرة والحضور لأدباء بعضهم شباب والبعض الآخر معروف، وانطلت الحيلة على أسماء كثيرة اكتشفوها بعد فوات الأوان، ولاذ بعضهم بالصمت، إلا أن الروائي والكاتب عمرو العامري كان صاحب الصوت الأعلى بعد اكتشاف الحقيقة، فلم يركن للصمت بل أخذ على عاتقه مهمة الكشف عن هذه الألاعيب والحيل.

الناشر المزعوم أكد مشاركته في معرض جدة الدولي للكتاب القادم تحت «دار كلمة»، «عكاظ» تحت إلحاح من أدباء سعوديين تضرروا من الدار تواصلت مع متحدث وزارة الثقافة والإعلام للإجابة على سؤالها: ماذا يمكن للوزارة فعله لهؤلاء الأدباء؟، إلا أنه لم يرد حتى تاريخه.

العامري وضع كامل العتب على وزارة الثقافة والإعلام، لأنه، كما قال، إن: «التقيدات والبيروقراطية دفعت العشرات للبحث عن منافذ أسهل للنشر، وبالتالي الوقوع في فخ دور النشر المشبوهة»، مؤكدا أن الوزارة لم تتفاعل مع شكوى تقدم بها منذ ثلاثة أشهر أو توضيح، بل إن إدارة معرض جدة الدولي للكتاب طلبت منه تقديم شكوى إلى «الناشرين المصريين»، معتبرا أنه «تصرف غريب» مع أن الناشر المزعوم غيَّر اسم الدار خلال شهر أربع مرات، والآن أصبح «دار إنجاز» للإيقاع بالمزيد من الضحايا، موجها عتبه للأدباء والمثقفين على صمتهم وتخاذلهم، مع أنهم قرأوا عشرات الشهادات لضحايا، التي تعد غيضا من فيض. وعن بداية حكايته مع الدار المشبوهة قال العامري لـ«عكاظ»: إنها حكاية بدأت باستشارة صديق له في عرض دار تسمى «دار نجيب محفوظ الثقافية»، وأن لديها رغبة للطباعة له، فقلت له: لم أسمع بها من قبل، لكنه ذكر أنها دار كبيرة معروفة ولها موقع إلكتروني.

وأكد أنه وجد موقع الدار على «الفيسبوك» و«تويتر» و«الإنستغرام»، وتضع صورة نجيب محفوظ في المعرف، ووجد صوراً كثيرة لأغلفة كتَّاب معروفين بالمملكة، مثل: محمد ربيع الغامدي، وابتسام البقمي، وعبدالله التعزي، وقادت هذه الثقة العامري للتواصل تلفونيا مع صاحب الدار ومديرها (سمى نفسه الدكتور محمد عبدالخالق سلامه حسنين)، وأنها عالمية وتشارك في أوروبا وأمريكا وكل البلاد العربية.

وأوضح أنه تواصل مع صاحب الدار لترجمة وطباعة أحد كتبه، وتم توقيع العقد وتحويل (1000) دولار، بحكم أن الكتاب ترجمة وطباعة، إلا أنه فوجئ فيما بعد بسوء الترجمة وبدائية التصميم، وبعد أربعة أشهر من العقد، مع أن الاتفاق كان على شهرين، طلب منه مالك الدار المزعومة تحويل المبلغ المتبقي، إلا أنّ «العامري» اتخذ موقفه في عدم التعامل معه والتحذير منه ومن دار نشره المزعومة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، كما يقول العامري، بل تطور إلى تهديد الناشر المزعوم، الذي تأكد له بعد مخاطبة الناشرين العرب والناشرين المصريين وبعض المكتبات، التي يدّعي أنها توزع إصداراته، بأنه اسم افتراضي ولم يسمع به، وليتأكد من الموضوع أوضح أنه طلب من إحدى السعوديات المقيمات التواصل مع الناشر المزعوم في مصر، إذ اتصلت به وأبدت له رغبتها في الحصول على عدد من كتب السعوديين التي طبعتها الدار (دار نجيب محفوظ)، وعندما ذهبت إلى العنوان المعطى لها لم تجد سوى شقة بها بعض العاملين على أجهزة الكمبيوتر فقط.

الكاتب عبدالرحمن البرونو يروي حكايته مع الدار المزعومة بقوله: دخل عليّ صاحب الدار المزعومة برسالة على الخاص في «الفيسبوك» معرفا بنفسه بأنه المدير العام لمؤسسة نجيب محفوظ الثقافية الدكتور محمد سلامة، وبعد أن أثنى عليّ وامتدح حرفي بأجمل العبارات عرض عليّ إخراج كتاب لي يجمع شتات ما أكتب في صفحتي على الفيسبوك، لم أعبأ للوهلة الأولى ولكنه ألح كثيرا، وفي الأثناء كان يعرض كتبا نشرها لكتاب أثق بهم وأراهم أهل أدب وتميز، وافقت ودخلنا في التفاصيل وأرسل لي عقده على أوراق بيضاء، وقعتها بحسن نية وحولت له مبلغا كدفعة أولى، عمل على إرسال نسخ الكتاب إلكترونيا للتصحيح ووضع الملاحظات واستمر العمل، ولكني لاحظت أخطاء لغوية رغم تعهده بالتصحيح اللغوي، ثم وعد باستبدال المصحح اللغوي التابع للمؤسسة المزعومة بعد شديد انتقادي.

وأضاف البرونو: «لم يكتف سلامة بهذا بل عرض عليّ بعد فترة أن أكون مندوبا لمؤسسته في منطقة القصيم أسوة بآخرين في المناطق الأخرى، ورحبت بالفكرة كونها عملا ثقافيا جميلا، وحين طلبت منه إرسال أوراقه الرسمية ليكون عملنا رسميا وبناء على طلب الأدباء، غضب ووصف من يطلب ذلك بالمبتدئين، فتوقفت مباشرة ونهائيا عن التواصل مع أي من الأدباء، ولم أعقد مع أحد منهم أي اتفاق».

أما الأديب حمزة عصام بصنوي فيؤكد أن أكثر من 100 كاتب وكاتبة في السعودية كانوا ضحايا لهذا الناشر المزعوم، موضحا أنه تواصل معه شخص يدعي أنه حفيد نجيب محفوظ ولديه دار للطباعة والنشر، واتفق معه على طباعة ديوان بـ1200 دولار. وأضاف: «كان لديّ رغبة أن أطبع كتبي السبعة في مجموعة، إذ قدم لي عرضا جيدا، ونص الاتفاق على أن يطبع ألف نسخة وتكون نسبة البيع 80% للمؤلف، إلا أنه عاود الاتصال بي وأبلغني بأنهم قرروا طباعة ألفي نسخة، ألف منها له والأخرى لي، إلا أن بوادر النصب والاحتيال ظهرت لي قبل أن أحول له مبلغ طباعة كتابي الثاني».

وأوضح بصنوي أنه فاجأ الناشر المزعوم بطلبه تسليم سائقه في مصر النسخ المقررة بعد أن رفض إرسال 600 دولار لشحنها إلى جدة، فارتبك وحصل التصادم بعدها، فتغيرت الدار من «نجيب محفوظ» إلى «السكرية» أثناء عملنا ثم إلى دار «كلمة» فيما بعد.

أديبات خليجيات: أخذوا أموالنا ونصبوا علينا

تؤكد الأديبة نجود حسن أنها تعاملت مع تلك الدار المزعومة على أساس أنها دار نجيب محفوظ وهذا مثبت، إذ طلب منها قبل الطباعة دفع مبلغ، وتم الدفع وأرسل «اللوغو» للكتاب ببصمة دار نجيب محفوظ، لكنها فوجئت عند تسلم النسخة بأن وجدت داراً أخرى بمسمى «دار كلمة».

وتضيف: العقد ينص على التوزيع في مصر وبلاد المغرب والسعودية، لكن للأسف الكتاب لم يتم توزيعه ومر عليه أكثر من خمسة أشهر، في الوقت الذي أكد الناشر أن الكتاب متوفر في مكتبة الرشد والعبيكان وجرير وكنوز المعرفة، وبعد التحقق اكتشفت أنه لا يوجد أي تعامل للدار مع هذه المكتبات.

أما الأديبة الإماراتية علياء السالم، فتؤكد أنها تعرضت للقصة نفسها التي تعرضت لها سيدات أخريات، إذ أوهمها الناشر المزعوم أن هناك من سرق 40 نصا لها من «الفيسبوك»، وأن الدار بصدد توثيق الكتابات ونشرها في كتاب، وألح عليها بضرورة توثيق كتاباتها، وانبرى مدافعاً عن الحقوق الأدبية.

وأضافت: صدقته رغم الشكوك التي راودتني، إذ طلب مني 750 دولارا للتوثيق، وثلاثة آلاف دولار قيمة ألفي نسخة، وطلبت منه أن يصوّر لي الألفي نسخة المتفق عليها بالفيديو، لكنه عصّب وقال «فاكراني نصاب»، قلت له حقي أشوف ما دفعت قيمته طالما وفيت بكل التزاماتي، وبعد مدة صور لي نسخة تقريبا، ووعدني بأن تكون النسخ في معرض «الشارقة»، إلا أن ذلك لم يتم لأننا نبحث عن دار ليست موجودة في الأصل.

الدار المزعومة تتصيد الأدباء من الـ«فيسبوك»

أكد أدباء تورطوا مع الدار المزعومة أن بداية الناشر في التسويق لها تبدأ بدخول حساب «نجيب محفوط» في الفيسبوك إلى حسابات هؤلاء الأدباء، ويكون قد جمع كتابات كل ضحية على حدة، ثم يبدأ عملية إقناعه بأنه مبدع وسينقله للعالمية وللمعارض العربية، أما الطريقة الأخرى فقد كان يوهم الأديب بأن كتابه مسروق وعليه طباعته عاجلا لكي يتمّ توثيقه، فيستجيب بعض الأدباء لهذه الإغراءات.

وبعد اقتناع الأديب بفكرة الطباعة يطلب صاحب الدار المزعومة من الأدباء الراغبين في الطباعة إرسال صور هوياتهم الرسمية ليوثق لهم حقوق الملكية ورقم الإيداع الدولي، ويوهمهم بأن ذلك يمكنه من منحهم عضويات لدى هيئة الأدباء العرب، وبعد إرسال المبلغ المتفق عليه في حدود (1000) دولار يطبع 50 نسخة كحد أقصى، وحينما يطالب بتطبيق العقد يبدأ بالشتم والتهديد، وأنه سينشر الهوية في مواقع التواصل والمواقع الإباحية، مما يوقع بعض الأديبات في خوف وصمت.

من جانب آخر، أكد مصدر وثيق الصلة بأسرة نجيب محفوظ في القاهرة لـ«عكاظ»، أنه لا يوجد أحفاد للأديب الراحل، إذ توفي عن زوجة وابنتين، وبعده توفيت زوجته وإحدى بناته، وأوضح المصدر أن ابنتي نجيب محفوظ لم تتزوجا، وأنه يوجد له ابن أخت وحيد يدعى المهندس محمود الكردي، ولا علاقة لنشاطه بمجال النشر.

وأشار المصدر إلى أن نجيب محفوظ كان يتعامل فيما يتعلق بطباعة ونشر كتبه مع دار الشروق التي يملكها الناشر إبراهيم المعلم، وكانت رواياته تترجم وتطبع خارجياً عن طريق الجامعة الأمريكية، مما يقطع بأنه لا هو ولا ابنتاه ولا أحفاده (المزعومون) يمتلكون دار نشر.