كانت الصين دولة شعبية فقيرة حتى عام 1977م ولم تكن المنتجات الصينية آنذاك تتجاوز إنتاج الفحم الخام والحبوب وصناعة القطن وغيرها، وخلال فترة قصيرة تحولت إلى عملاق اقتصادي من العيار الثقيل متجاوزة بذلك ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، فما الذي جرى يا ترى؟

قصة تحول الصين من اقتصاد هزيل إلى اقتصاد عملاق يمكن قراءتها في سيرة رجل واحد هو «دينج هسياو ينج» الذي قاد حملة الصين المكتنفة المخاطر من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي.

بداية التغيير دائماً صعبة وهي عملية محفوفة بالمخاطر والشك والارتياب، وحجم المقاومة لا يوصف لأي تغيير سياسيا كان أو اقتصاديا، ومن القصص المأثورة عن عملية التحول في الصين أن «هسياو» طلب من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الموافقة على التعاقد مع خبير تنمية إدارية واقتصادية من الخارج للمساهمة في النهوض بالاقتصاد الصيني المتردي، وقد تم رفض طلبه من اللجنة المركزية (7) مرات متتالية وفي المرة الثامنة حارب أمام اللجنة لمنحه الفرصة لفترة واحدة فقط فكان له ما أراد!!

تواصل الرجل شخصياً مع جامعة إكسفورد طالباً ترشيح مستشار للحكومة الصينية عارضاً خمسة أضعاف مرتبه في الجامعة مع تذاكر السفر لثلاث مرات في السنة وعطلة 60 يوماً لكن الجامعة لم تتجاوب، ولم ييأس فقد عاود الكرّة معهم عارضاً أن يدفع للكلية (الاقتصاد والإدارة) رواتب الخبير للسنة الماضية كلها، عندها لم تجد الجامعة مناصاً من قبول العرض المغري، وعندما قدم هذا الخبير خطته للحكومة الصينية والمكونة من أربع نقاط أساسية كان أولها «العمل من أجل حكومة نظيفة وأمينة ونزيهة» بمعنى أنه وضع نزاهة الحكومة وعملية مكافحة الفساد في مقدمة شروط نجاح خطة التحول!!

وهنا يشير المؤرخ الصيني في جامعة بكين «لي جانغ» إلى أن الرشوة والسرقة كانتا متفشيتين في كل الدوائر الحكومية آنذاك، ولم تتقدم الصين إلا بعد أن أعلنت الحرب على الفساد، ولم تستثن الحزب الحاكم الذي كان يرقى أعضاؤه آنذاك إلى ما يشبه القداسة السياسية، وبذلك أنقذ الحزب الحاكم نفسه عندما جاءت عملية الإصلاح من داخل الحزب وليس من خارجه!!

نسيت أن أقول لكم بأن هذا الخبير هو العربي العراقي «إلياس كوركيس».