اعتدنا منذ الصغر ومنذ نعومة أظافرنا، طبعا هذا التعبير لا «يمط» للحقيقة بأي صلة، فأظافر جيلنا لم تمر بالنعومة إطلاقا، ما عدا لقلة ممن أعطى ربي، نعود لموضوعنا والعود أسعد، ولا تروحوا بعيد أقصد بالعود، أي الكبير في السن والكلام «إلك» ياجارة، والجارة نعني بها حضرتنا، المهم اعتدنا وتربينا على عادات وتقاليد، وأنا أشهد أن معظمها، خصوصا ما يتعلق بالسلوك الاجتماعي، كانت من أجمل وأرقى العادات، ومجمل وصف لها، هو أن الحي أو الحارة تنعم بالإدارة الذاتية، فالأخلاق هي سيدة الموقف، والعيب هو الأداة التنفيذية، والسيف القاطع لدابر من قد تسول له نفسه أو نفس غيره أن يتجاوز على فلان أو فلانة من الناس ولو ببنت شفة، خصوصا إذا كانت بنت الشفة كبيرة أو فيها إن ولو شوية مرقعة، هكذا كانت مسيرة المجتمع المدني، كان يسافر الرجل من الحي في رحلة البحث عن لقمة العيش التي ممكن تجي وممكن كمان ما تجيش، يذهب الرجل وبيته لا يوجد فيه إلا زوجته وربما بعض «البزورة» الذين لم يشتد عودهم الذي يدوب نبت وبان من شدة الحال ومصاعب المعيشة، ولكن يسافر وهو مرتاح نفسيا أربعة وعشرين قيراط، لأن أهله تحت رحمة الله، وبين أياد أمينة من كل أبناء الحي، خصوصا الجيران الكمل الذين لا تهنأ لهم اللقمة حتى يطمئنوا أن جيرانهم قد رووا ظمأهم، وكسروا حدة الجوع على الأقل، في ذلك الزمن الصعب والجميل في نفس الوقت وهو صعب لأن الكثير من تسهيلات العيش لم تكن متوافرة كالتكييف والنقل الخ، وجميل لبساطة الحياة حيث كانت اللقمة الحلوة تكفينا، في ذلك الزمن كانت أنظمة التأمين والتكافل وحقوق الإنسان كلها غير موجودة على الورق وبالقرارات، ولكنها مفعلة على أرض الواقع وحب الناس لبعضها، والشعور المتأصل داخل قلوبهم وعقولهم بأن المؤمن مع المؤمن كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعت له باقي الأعضاء بالسهر والحمى، ولو حركنا عقارب الساعة أو ثعابينها وحطينا الرحال في هذا الوقت لوجدنا حجم الفرق بين ما كنا وكيف أصبحنا، إن كل القوانين التي تنظم السلوك والنظام وكافة العقوبات وكثرة المدارس والجامعات وسهولة قنوات الثقافة المختلفة، كلها لم تستطع أن تفرض على المجتمع تلك الجمل الرائعة من الجيرة الحميمة والصداقات الصادقة والعلاقات الأسرية الدافئة كما لم تقو على تنفيذ أنظمة تعنى بالسلوك المجتمعي، مثل ما كان متحققا بقانون العيب والحب والشيمة، زمن مضى وزمن نحن فيه، وآت والله يخارج هذه الأجيال على خير وبالذات ونحن نقفز وبقوة وبخاصة لمتابعة كل وسائل التواصل عن بعد مما يكرس فقدان دفء الحياة، وبرودة المشاعر والعلاقات الاجتماعية.

وسلم لي شوي شوي على الأنظمة وحقوق الإنسان وإصلاح ذات «البين».