لعبت الأدلة الرقمية دوراً محورياً في عدة قضايا مهمة (سياسية وأمنية)، وكان آخرها إثبات تورط قطر في الحرب الناعمة بالتحريض على العنف والتطرف والإرهاب في مملكة البحرين ومحاولة إسقاط نظام الحكم عن طريق قواها الناعمة كالرموز الوهمية خلال ثورة 14 فبراير.

صعوبة التعامل مع الأدلة الرقمية:

الحقائق تثبت أن التعامل مع الجرائم الرقمية يمتاز بالصعوبة والتحديات الكثيرة. الأدلة الرقمية تختص بسرعة التلف وسهولة الإخفاء لأننا وببساطة نتعامل مع جرائم عابرة الحدود. وتكون مهمة البحث عن دليل رقمي كعنوان الإنترنت IP وأرقام هواتف وسجل اتصال بين الأطراف وبريد إلكتروني وعمليات (تحويلات) مالية ورسائل واتسأب وبرامج الاختراق.. إلخ مهمة شاقة وصعبة.

ويرجع السبب لصعوبة الربط في العالم الافتراضي بين مسرح الجريمة الافتراضية والمتهم الموجود في دولة (ما) والضحية الموجود في دولة أخرى في العالم. ويلجأ المجرمون للجرائم الرقمية لسهولة إخفاء الهوية لوجود عدة طرق متقدمة في هذا الغرض.

قطر متورطة رقمياً:

قدمت وزارة الداخلية البحرينية درساً في علم الأدلة الرقمية من النوع الثقيل بتقديمها دليلاً رقمياً يتسم بالشفافية والوضوح والكمال ويثبت تورط قطر في زعزعة أمنها.

وعرضت دليلا رقميا ممثلا بعنوان IP وهو «78.101.147.55» يربط المحرض والمحرك لأحداث 14 فبراير على الأرض بصاحب حساب الأحبار (المتهم في زعزعة أمن البحرين) في منتدى ملتقى البحرين (أحد مسارح الجريمة الافتراضي). وتاريخ الاتصال كان 13-03-2012 والوقت الساعة 10:49:24 صباحاً بتوقيت المنامة. ومزود خدمة الإنترنت هو Qtel الواقعة في قطر.

وهذا الدليل الرقمي دليل آخر يؤكد تورط حكومة قطر بزعزعة أمن البحرين في أحداث 14 فبراير 2011م عن طريق حساب الأحبار. ولم تقدم قطر أي دليل رقمي ينفي هذا الادعاء عن هذا العنوان.

الرمز القطري الوهمي:

الدرس المهم هو صناعة رمز افتراضي مؤثر في العالم الافتراضي عن طريق دولة قطر يدعى «حساب الأحبار» يتناسق تماماً مع الحرب الناعمة. وهي ما تسمى القوة الناعمة المؤثرة في العالم الافتراضي.

وهو حساب وهمي يدار من قطر حسب تقرير وزارة الداخلية البحرينية ويهدف لإسقاط الحكومة البحرينية، وتم إنشاؤه في أغسطس 2010م. وهو وقت التجهيز للحرب الناعمة على البحرين حسب الحقائق.

وفي الغالب أن هناك مجموعة من المتخصصين هم من يديرون مثل هذه الحسابات. واستطاع الحساب الوهمي إيهام الآخرين بأنه شخصية بحرينية ومشارك معهم وجميع أفراد أسرته في المظاهرات.

وقد تورط حساب الأحبار في منتدى ملتقى البحرين وتويتر والفيسبوك بالتحريض ونشر العنف والإرهاب وضرب القيادة البحرينية وقيادة وتوجيه أعمال الشغب في البحرين بما يسمى بثورة 14 فبراير عن طريق الإنترنت.

الشخصية الملهمة للحساب الوهمي:

وتم اختيار صورة الثائر الأرجنتيني غيفارا في البروفايل الشخصي لحساب الأحبار على الإنترنت بسبب أن شخصيته ملهمة. وامتلاكه عدة مواهب فهو طبيب ومفكر وكاتب ودبلوماسي وقائد عسكري، كما ذكر صاحب حساب الأحبار في مقابلة في صحيفة مرآة البحرين. وذكر أن هذا التنوع الحركي قلما نراه في المناضلين، فهم إما يقتصرون على الحراك السياسي ويتركون العمل الميداني أو العكس. وهنا تحفيز الناس على المشاركة الميدانية في زعزعة الأمن.

تسويق المظاهرات:

تم اختيار تسويق وقت إطلاق فكرة ثورة 14 فبراير عن طريق منتدى ملتقى البحرين بعد يوم واحد من انتصار الثورة المصرية والتي انطلقت بعد نجاح ثورة تونس. وهو ما يؤكد أهمية وإستراتيجية اختيار الوقت لنجاح زعزعة أمن البحرين وأن هناك تجهيزات مسبقة لهذا الحدث قامت بها أطراف أخرى قطرية. واختار صاحب حساب الأحبار دوار اللؤلؤة مكاناً لتمركز المظاهرات.

التحليل الزمني للمظاهرات:

ويشير التحليل الزمني إلى تورط صاحب حساب الأحبار في ملتقى البحرين والفيسبوك وتويتر بالتحريض وتوجيه وقيادة أعمال الشغب التي حصلت بتاريخ 14 فبراير 2011م وبعدها. وهذه بعض نماذج من مشاركات صاحب الأحبار في تبني ثورة 14 فبراير.

المشاركة الأولى كانت بتاريخ 26 يناير 2011م الساعة 7:12 مساءً بالتسويق لفكرة مظاهرة الثورة الشعبية في البحرين، وكذلك تحديد تاريخ لهذه المظاهرة. ومستعيناً بالتدليل الخاطئ بالآيات القرانية «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». ومستشهداً بتحديد الشعب المصري لتاريخ معين للثورة وهو 25 يناير 2011م واستفادتهم من نشر الخبر شعبياً على برامج التواصل الاجتماعي.

بعدها بساعتين تم تحديد التاريخ وطلب صاحب حساب الأحبار من إدارة ملتقى البحرين تبني المشروع والتحشيد بقوة إلى يوم 14 فبراير.

في حدود الساعة 11:45 مساءً ذكر حساب الأحبار في ملتقى البحرين أنه أنشأ صفحة «ثورة 14 فبراير البحرين» على الفيسبوك ليوم الانتفاضة 14 فبراير. وكان أول بيان ألقي في ميدان اللؤلؤة هو بيان تم نشره في هذه الصفحة، وهو ما سمي «وثيقة المنامة».

في 10 فبراير 2011م حدد تاريخ 18 فبراير 2011م ليكون التجمع الكبير في ميدان اللؤلؤة.

في 12 فبراير حدد طريقة المظاهرات بحيث تكون الجمعة 18 فبراير يوم التجمع المركزي. و14 فبراير يوم الزحف الشعبي أمام كل مدخل قرية ومنطقة ومدينة.

29 سبتمبر 2011م دشن حسابا على تويتر.

محاولة شل اقتصاد البحرين:

تبنى حساب صاحب الأحبار الوهمي عدة مبادرات نوعية في الحرب الناعمة وهو ما يؤكد أن هذا الحساب ليس فرديا بل لمجموعة متمكنة في الحرب الناعمة وأساليب المظاهرات المؤثرة.

من أهمها «طوق الكرامة» وهي توجه عدد كبير من سيارات المتظاهرين في وقت واحد إلى أماكن حيوية (شارع المرفأ المالي والمنطقة الدبلوماسية وشارع المعارض) في أوقات الذروة لتسبب ازدحاما مروريا وتشل حركة السير والاقتصاد. وعدم حمل أي شعارات معادية لدولة حتى لا يتم التعرف على المتظاهرين.

ومبادرة بنك الكرامة (أسبوع خلخلة اقتصاد البحرين) هي تستهدف مقاطعة القطاع المالي والمصرفي (إستراتيجية تصفير البنوك) من أجل تحقيق مطالب مظاهرات 14 فبراير.

وكان صاحب الأحبار يحرض على السعودية وينشر الإشاعات بوجود خلافات بين الأسرة الحاكمة، على سبيل المثال تغريدته بتاريخ 9 أكتوبر 2011م. ويحرض كذلك على تدويل أحداث 14 فبراير بتزوير الحقائق لإثبات منهجية التعذيب في البحرين وهي اختصاص الدوحة في صناعة تزوير الحقائق.

تورط قناة الجزيرة في 14 فبراير:

في تاريخ 12 فبراير 2011م الساعة 10:57 مساءً شارك حساب صاحب الأحبار في المنتدى بعنوان قناة الجزيرة تدق بابكم الآن فهل أنتم لها... وأنها تدق باب الشعب البحريني الذي أعلن عزمه الخروج في مسيرات يومية سلمية حتى تتحق مطالبه. وأرسل رابط خبر في موقع الجزيرة «بعنوان 14 فبراير موعدا لاحتجاجات بالبحرين».

تسليط قناة الجزيرة الضوء لهذه المظاهرة قبل انطلاقها بيومين يؤكد تورط الجزيرة للتسويق للمظاهرة والتي أطلق عليها «يوم الغضب والكرامة» وتوجه المتظاهرون للتجمع في دوار اللؤلؤة لإيصال الرسالة للشريحة الكبرى التي لم تشارك في المنتدى.

وشجعت قناة الجزيرة المتظاهرين بتصوير المظاهرات وإرسالها إلى صفحتها الخاصة «صور ثورة 14 فبراير يوم الغضب في البحرين- اليوم 14 فبراير» عن طريق صفحة شارك.

ولم تكتف الجزيرة بالتسويق للمظاهرة بل شاركت في التغطية لانطلاقة أحداث يوم 14 فبراير. وأجرت لقاء مع المحرض إبراهيم شريف وهو الأمين العام لجمعية وعد المنحلة التي ارتكبت مخالفات جسيمة تهدد أمن المجتمع واستقراره. الحقائق تقول إن قطر متورطة في محاولة إسقاط الحكومة البحرينية، وقناة الجزيرة كانت تحرض لهذه الثورة منذ عام 2010م. فقد بث برنامج الاقتصاد والناس ثلاث حلقات عن الفقر في مملكة البحرين في شهر مايو 2010م لتحرض الناس على الحكومة البحرينية. وفي سبتمبر بذات العام تم نشر أخبار مضللة عن سلسلة اعتقالات ظالمة وغير عادلة لأعضاء جمعية الوفاق في برنامج ما وراء الخبر. وفي الحقيقة كانت هذه الاعتقالات لمحرضين على مظاهرات. وهذا ما يؤكد أن هناك علاقة وطيدة بين الحكومة القطرية وجميعة الوفاق المنحلة في البحرين. ولا يفوتنا التذكير بالمكالمة التي تم الإفصاح عنها بين حمد بن جاسم وزعيم الوفاق علي سلمان، والذي طلب منه دفع المتظاهرين إلى الشوارع لتشديد الضغوط على البحرين. ورصد الحكومة البحرينية تمويل قطر لهذه الجمعية منذ 2010م إلى 2015. وهو ما يؤكد أن قطر كانت تعمل منذ عام 2010م لإسقاط الحكومة البحرينية عن طريق دعم هذه الجمعيات المشبوهة وتأسيس الحساب الوهمي وتحريض قناة الجزيرة.

الحقائق تثبت قدرة البحرين على الحفاظ على أمن بلدها من إرهاب دولتي قطر وإيران. وأثبتت تورط قطر في قضايا الإرهاب عن طريق صناعة الرموز الوهمية التي تحرض على العنف والتطرف والإرهاب. وقطر تفشل في تقديم أدلة رقمية ثبت ادعاؤها بقضية الاختراق المزعوم لوكالة الأنباء القطرية حتى هذه اللحظة.

*خبير للأدلة الرقمية عضو الأكاديمية العلمية الأمريكية للطب الشرعي - الأدلة الرقمية