الموت على رقاب العباد.. الحقيقة الأزلية التي لا مراء فيها، ولكن من الموتى من يظل عالقا في ذاكرة الزمان والمكان.. يشتعل اسمه فعلا وقولا وأثرا من خلال ما اشتهر به من سمو الأفكار ورقي الكلمات واتساع في التداولات.. أحسب أنني لن أوفي عبدالله أبو السمح حقه قدر ما أوفي وبقدر ما أثري في الساحة الفكرية من خلال طروحاته التي تكاد كلماتها تشعل الصفحات من حرارتها وصدق مرماها.. ولعله من الندرة الذين كانت شهرته وطرحه سببا في تحول مجرى حياته.. وذلك عندما كان يوالي نقد المناقصات الحكومية وذهب بعيدا فى ذلك المشوار.

الكاتب الذي فصل بسبب لم يكن مسؤولاً عنه

كان عبدالله أبو السمح صريحا واضحا شفافا سريع البديهة وحاضر النكتة وسبحان الله.. فعندما كان مديرا لوكالة الأنباء السعودية بلغ حماس أحد المندوبين إلى أن ذهب إلى زميل معروف يشتغل في ديوان رئاسة مجلس الوزراء.. وأراد هذا المندوب اجتهادا منه أن يكسب البشارة وإدخال السرور على مديره أبو السمح، فقد سأل الزميل الموظف عن أبو السمح بقصد الترقية إذ كان ينتظرها.. وبسرعة (أسرع من البوينج) أجاب الزميل موضوع الأستاذ عبدالله لقد انتهى، يقصد إعفاءه من الوظيفة.. وبذات السرعة أراد أن يتقرب إلى (أبو عمر) مفبركا خبر ترقيته.. كانت المفاجأة عكسية مما أدى إلى فصله من العمل ومعاقبة مندوب الوكالة والموظف.. واستقبل أبو السمح القرار (يرحمه الله) وانصرف إلى العمل في البنوك.

عبدالله أبو السمح مدير محطة التلفزيون بجدة

شرفت بمزاملته في بداية أول محطة للتلفزيون بجدة.. كان مديرا عاما لها.. ومن قبل كنت شغوفا بمتابعته من خلال مقالاته الجريئة في جريدة البلاد.. التي كنت ورفاقي ننتظرها بشغف بالغ.. وعندما لقيته في التلفزيون كنت مبتهجا جدا.. ويشهد الله أنه كان أنيقا في أسلوبه راقيا في تداولاته.. لا تجد صعوبة في الدخول إلى نفسه وهو من خلال بسمته الشهيرة يحملك على الطمأنينة والراحة.. كنت وقتها معدا للبرامج (كاتب نصوص)، وعندما كنت أعرض عليه النص وفي رقة راقية وتهذيب رائع كان يبدي رأيه وبأسلوب لا تجده عند من يتولون المناصب، كان يقول جميل ولكنك تملك القدرة على التطويل.. الأمر الذي فهمت منه أنه يريد الاختصار قدر الإمكان.. ومن ثم غادرت الوظيفة بالتلفزيون إلى مدير رعاية الشباب بجدة.. ويشهد الله أن أبو السمح واحد من أربعة أثروا وأثروا في حياتي العامة والخاصة، الشيخ جميل الحجيلان (أطال الله في عمره) عندما كان وزيرا للإعلام، ومحمد عبدالرحمن الشيباني يرحمه الله عندما كان وكيلا لوزارة الإعلام، وعباس غزاوي يرحمه الله عندما كان مديرا عاما للإذاعة والتلفزيون، وعبدالله أبو السمح يرحمه الله.

ثم شرفت بمزاملته فى «عكاظ».. وأشهد الله على أنه كان مكسبا لهذه الجريدة.. إذ كان يمثل نافذة للرأي الصريح الصادق لا يخشى في الله لومة لائم.

كان من سمات عبدالله في أي محفل أو اجتماع أن يكون من المبرزين الذين يكسبون الاجتماع حرارة ونبلا وصدقا وشجاعة أدبية.. لا جدال فيها، الأمر الذي جعله مرموقا ومحل حفاوة جمهوره من القراء.. وظل يرحمه الله شاكيا قلمه يطرح المواضيع في جدية وحرية لا يكاد ينافسه أحد.. ولعل ما كان يعانيه من هموم مواطنيه ووطنه كان سببا فى أن ينال المرض من صحته.. واحتجب معها (مكرها) وسط دوامة من السؤال من محبيه وعارفي فضله.. وبالأمس اختطفه المنون لتفتقد الساحة الفكرية والأدبية نجما من نجومها اللامعين.. الذين ملأوا الساحة صدقا ونبلا وترجمة صادقة لإحساس المواطنين.. رحم الله (أبو عمر) رحمة الأبرار وألهم أهله ومحبيه ومتابعيه الصبر والسلوان.. وحسبي الله ونعم الوكيل.

alialrabghi9@gmail.com