دخل أستاذ جامعي قاعة من قاعات كلية الهندسة التي يعمل بها، فهاله رؤية ما تحت مقاعد الطلاب من علب فارغة وكؤوس ورقية ملقاة على الأرض تسيل منها عصائر مختلف ألوانها وقطع من السندوتشات وأوراق استخدمت للف الأطعمة وسال منها الزيت والبهارات، كل هذه النفايات تركها خلف ظهرهم الطلاب الذين كانوا في القاعة قبل محاضرته لمجموعة أخرى من زملائهم، فشعر بالأسف والأسى لأنه كان يتوقع أن يكون طلاب الهندسة من نخبة الطلاب وأرقاهم أخلاقا وأذكاهم وأعلاهم ذوقاً، باعتبار الهندسة فناً قبل أن تكون علماً ومهنة ولا يدخل كلياتها إلا المتفوقون من خريجي الثانوية العامة، فاستخدم «الدكتور» حسابه في الواتساب لإرسال رسالة عتاب عمّا لاحظه في قاعة المحاضرات، تضمن أسفه وأساه من كون طلاب بذلك المستوى من الفطنة والذكاء لا يراعون نظافة المقاعد والقاعات الدراسية في كليتهم الجامعية.

هذا ما قام به «الدكتور» الذي لم يكن يعول شيئاً على رسالته النصية، ولكن المفاجأة أنه تلقى بعد ساعات صور «فيديو» يظهر فيها طلابه وقد تعاونوا على تنظيف القاعة الدراسية حتى أصبح رخامها ومقاعدها تفوح نظافة وتلمع كالمرآة، فأسعده ذلك أيما سعادة وجاءنا يقص علينا ما حصل، مردفاً حديثه بقوله: الحمد لله.. الشباب لم يزل فيهم خير!

وأقول تعليقاً على ما سمعته من الأمم تربى على القيم وتتأدب باتباع القدوة الحسنة، والطفل الذي تعلمه والدته خاصة وأسرته بصفة عامة على مُثُل النظافة الشخصية وأن من واجبه عدم ترك أدواته أو ألعابه أو بقايا طعامه ملقاةً على أرض غرفته حتى لو كان هناك شغالة، أو لأن والدته الحنون تقوم بذلك نيابة عنه وعن جميع إخوانه وأخواته، مثل هذا الطفل ينشأ على قيم ومُثُل النظافة والترتيب والرقيّ في المأكل والملبس، فإذا شبَّ عن الطوق أصبح ما تربى عليه سلوكا أصيلا في حياته فلا يترك في أي موقع يرتاده بقايا طعامه وشرابه، ولا يعتدي على الأزهار والأشجار ولا يعيق حركة المشاة والسيارات ولا يخرب المنجزات، بل يساهم في نظافة مدينته كما كان في صغره يحافظ على نظافة غرفته المنزلية وفصله الدراسي، وإذا دعي للمساهمة الاجتماعية قام بها وقلبه ممتلئ بالسعادة والرضا لأنه بذلك يحقق قيماً نشأ وتربى عليها منذ نعومة أظفاره، ولعل أخانا الأستاذ الجامعي قد أيقظ في نفوس طلابه قيماً جميلة علاها رماد السنين أو أنهم فعلوا ما فعلوه مجاملةً له، ولكن ما حصل يثبت في جميع الأحوال أن الشباب فيهم خير وأن التوجيه الحسن المؤثر يقود معظمهم إلى الخير لاسيما إذا صدر عن إنسان يحترم إنسانيتهم ويُشعَرُهم بالأبوة الصادقة، أما مربط الفرس في هذه المسألة فهو أن ينشأ الطفل على القيم والمُثُل النبيلة في القول والعمل لا على العكس، وذلك عملاً بقول الشاعر العربي:

وينشأ ناشئ الفتيان فينا..... على ما كان عوّده أبوه!

mohammed.ahmad568@gmail.com