في معرض الشارقة للكتاب، أُجرِي معي العديد من اللقاءات الصحفية والسمعية والمرئية، ولم يخل أي لقاء من السؤال: عما يحدث في البلد من تغيرات اجتماعية واقتصادية وأثر تلك التغيرات على المواطن...

وكنت أصف التغيرات الحادثة بأوصاف مختلفة، ذهب بعضها على أن المتغيرات تمثل ثورة سلمية اجتماعية لما ران على البلاد من تكبيل الخطوات وعرقلة مسيرة الحياة، والتضييق على واسع، فما حدث خلال سنة واحدة نقض عقودا طويلة من التحجر..

وكنت أسهب في الإجابة مع التوطئة أن من يعيش خارج سياق مجتمعنا ربما يسخر لفرحتنا بصدور قرارات تعبر حقا شخصيا لأي إنسان في الكون فلماذا جاءت الفرحة؟

وعندما يعلم الساخر أن فرحتنا ببث أغنية لأم كلثوم في قناة سعودية جاء بعد 37 عاما من منع ظهور أي مغنية على الشاشة السعودية، عندها يستوعب تلك الفرحة..

وإذا استدرك أحد الظرفاء قائلا: لقد هللت مواقع التواصل الاجتماعي بالسماح للمرأة أن تقود سيارتها، فهو لا يعلم أن هذه القضية ظلت ردحا من الزمن لا شغل للناس إلا مهاجمة من يدعو لهذا الحق الشخصي، ولا يستوعب مقدار حملات التكفير على من يجاهر بهذا الطلب، وأن البلد لم تتحرك للأمام إلا من خلال القرار السيادي بدءا من دخول أدوات التواصل مثل الإذاعة والتلفزيون والهاتف وتمكين الفتاة من التعليم واستقبال المواطنات في أعمال مختلفة..

كنت أتحدث أننا المجتمع الوحيد الذي تقوده الدولة نحو التحديث واكتساب الحقوق، بينما العالم أجمع يكون المجتمع هو المتحرك للمطالبة بالتغيير واكتساب الحقوق المدنية وسن القوانين حماية للحقوق (خاصة في جانب المرأة)..

وفي جلسات الكتاب والمفكرين كان السؤال: ما مدى عمق التغيرات الحادثة وهل حدثت عن قناعة أو أنها حدثت (بضغطة زر) وهل هي وقتية أم إستراتيجية قادمة؟

وبين علامات التعجب والاستفهام تكون الأحاديث مشككة حينا ومستغربة حينا ومستفسرة عما تواجهه التغيرات من تحد داخلي، وهل هناك ضمانات لعدم انتكاس تجربة التغير، وهل التغير مرتبط بشخص واحد أم هي إستراتيجية بلد مقدمة على مواجهة تحديات ضخمة تنوء بحملها الدول الكبرى قبل الصغرى..

الكل عينه على الداخل، ولأننا في الداخل نرى أن الحياة لا يمكن لها أن تعود للخلف، وأن جملة الأمير محمد بن سلمان بأننا لن نعود للخلف تتسق مع صيرورة الحياة التي تسير دائما للأمام ولا نكوص عن حق اكتسبه المجتمع.