السعودية فتحت باب الحرب على الفساد وتم أخذ بعض القرارات المهمة وغير المسبوقة في هذا الصدد. والفساد كان السرطان الذي ينخر في جسد التنمية والبناء في الأوطان. كان الفساد هو دائما الحاضر الغائب في الحديث عن تحديات العدالة وطموحات التنمية.

كان دوما هناك الإحساس بالقصور في مواجهة هذا الغول المفزع ولكن أحدا لم يكن ليجرؤ على الإقدام على خوض تلك المعركة وبالتالي فقدت كل حملات مواجهة الفساد طعمها وجدارتها مع غياب النزاهة والجدية عن المحاولة.

ولكل فساد بيئته الحاضنة والمساندة، وتقليديا كانت المصارف والبنوك وخلفها وزارة المالية والجهاز التشريعي والإشرافي للنشاط المالي في المصارف في مؤسسة النقد.

هذه هي البيئة التي كانت ترى وتسمع وتعلم وتبارك حراك الأموال المريب بين الأرصدة وبين الأشخاص دون أن ترفع الأقلام الحمراء أو تطلق صفارات الإنذار على الوضع غير المريب.

وهذه الحاضنة المريبة للفساد تشكلت في الفترة الظلامية لوزارة المالية وتحديدا في حقبة الثمانينات الميلادية عندما بدأ انتقاء أعضاء مجالس إدارات البنوك وتركيب قوى الملكية في أيدي حفنة واحدة مكنت من ظهور المال الفاسد الجديد وشرعنة وجوده عبر الكيانات البنكية وسط دعم من بعض الشخصيات في وزارة المالية ومؤسسة النقد كما بات معروفا، ولعبت هذه الأجهزة دورا مريبا وباتت لها السيطرة على التحكم في مسارات الهندسة الاجتماعية وكأنها تعز من تشاء وتذل من تشاء، وفرضت هذه الأجهزة شرعنة العديد من الوجوه والأموال الفاسدة.

حتى في ملف كوارث سيول جدة، فوزارة المالية كانت توقع عبر مندوبها على «صحة» و«استلام» المشاريع التي تمت وتمنح بالتالي براءة وإخلاء طرف لمنفذ المشاريع الوهمية وعليه فإنها شريكة فعلية في هذه المأساة وغيرها من نقاط الضعف الموجودة في البيئة الحاضنة للفساد.

هي شخصيات ساهمت عبر هذه الثقافة العفنة في تفجير كارثة الأسهم عام 2006 التي كان جزءا أساسيا من إشعالها هي القرارات المدمرة التي تم أخذها لتسهيل إقراض المضاربين في سوق أسهم ناشئة وغير ناضجة أبدا لم تتم مراعاة فيها إلا مصالح البنوك وتقديم الفرصة لهم لمضاعفة الأرباح بشكل فاسد وظالم.

هذه البيئة الحاضنة للفساد لم تمس حتى الآن والأشخاص المتسببون في ذلك أحياء يرزقون ويجب أن يطالهم التحقيق والإيقاف والعقوبة المستحقة للضرر الذي تسببوا فيه لتهيئة البيئة المناسبة والمثالية الحاضنة للفساد والمفسدين.

الحرب على الفساد مطلب مستحق وطال انتظاره، وكل الأمل أن يطال كل مستحق، لأن الفساد له بيئة حاضنة يجب تطهيرها والقضاء عليها وذلك بمعاقبة المتسبب والمستفيد منها.